| رواية عرس الزين (الطيب صالح) | |
|
|
|
كاتب الموضوع | رسالة |
---|
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:02 am | |
| قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة - وقد جاءت كعادتها قبل شروق الشمس - وهي تكيل لها لبنابقرش : "سمعت الخبر ؟ الزين مو داير يعرس " . وكاد الوعاء يسقط منيدي آمنة . واستغلت حليمة انشغالها بالنبأ فغشتها اللبن . كان فناء المدرسة " الوسطى " ساكنا خاويا وقت الضحى ، فقد أوى التلاميذ إلى فصولهم ، وبدأ من بعيدصبي يهرول لاهث النفس ، وقد وضع طرف ردائه تحت إبطه حتى وقف أمام باب " السنةالثانية " وكانت حصة الناظر . " يا ولد يا حمار . إيه أخرك ؟ " ولمع المكر في عيني الطريفي : " يا فندي سمعت الخبر ؟ " " خبر بتاع إيه يا ولد يا بهيم ؟ " ولم يزعزع غضب الناظر من رباطة جأش الصبي، فقال وهو يكتم ضحكته : " الزين ماش يعقدو له بعد باكر " وسقط حنكالناظر من الدهشة ونجا الطريفي . وفي السوق أقبل عبد الصمد على دكان شيخعلي ، محتقن الوجه ، ليس ثمة أدنى شك في أنه غضبان . كان له على شيخ علي ، تاجرالعماري ، دين ماطله عليه شهرا كاملا - وقد قرر أن يخلصه منه ذلك اليوم ، بالخير أوبالشر . " علي . أنت يعني قايل أنا ما بخلص قروشي منك ، ولا فكرك شنو ؟ " " حاج عبد الصمد . كدى قول بسم الله واقعد نجيب لك فنجان جبنة " " يا زول جبنتك طايره عليك ، قوم افتح الخزنة دي ادني قروشي ، ولا كمان أن بقيت ما بيضمه كمان فهمني " وبصق شيخ علي على " السفة " من فمه " كدى اقعداتحدثك بالخبر دا " " يا زول أنا مو فاضي لك ولا فاضي لي خبيراتك ، باقيأنا عارفك مستهبل داير تطرتش على قروشي " . " يمين قروشك حاضرات ، كدى اقعد انحكيلكحكاية عرس الزين" " قلت عرس منو ؟ " " عرس الزين " وجلسعبد الصمد ووضع يديه على رأسه وظل صامتا برهة ، وشيخ علي ينظر إليه مغتبطا بالأثرالذي أحدثه . وأخيرا وجد عبد الصمد ما يقول : " أي لا إله إلا الله محمداًرسول الله . عليك الرسول يا شيخ علي دار حديث شنودا ؟ " ولم يخلص عبد الصمددينه في ذلك اليومولما انتصف النهار كان الخبر على فمكل أحد . وكان الزين على البئر في وسط البلد يملأ أوعية النساء بالماء ويضاحكهنكعادته فتجمهر حوله الأطفال . وأخذوا ينشدون " الزين عرس .. الزين عرس " فكانيرميهم بالحجارة ، ويجر ثوب فتاة مرة ومرة يهمز امرأة في وسطها ، ومرة يقرس أخرى فيفخذها والأطفال يضحكون ، والنساء يتصارخون ويضحكن وتعلو فوق ضحكهم جميعا الضحكةالتي أصبحت جزءا من البلد منذ أن ولد الزين . يولد الأطفال فيستقبلونالحياة بالصريخ ، هذا هو المعروف ولكن يروى أن الزين ، والعهدة على أمه والنساءاللائي حضرون ولادتها ، أول ما مس الأرض انفجر ضاحكا وظل هكذا طول حياته . كبر وليسفي فمه غير سنّين . واحدة في فكه الأعلى والأخرى في فكه الأسفل . وأمه تقول أن فمهكان مليئا بأسنان بيضاء كاللؤلؤ . ولما كان في السادسة ذهبت به يوما لزيارة قريباتلها ، فمرا عند مغيب الشمس على خرابة يشاع أنها مسكونة ، وفجأة تسمر الزين مكانهوأخذ يرتجف كمن به حمى ، ثم صرخ . وبعدها لزم الفراش أياما ، ولما قام من مرضه كانتأسنانه جميعا قد سقطت ، واحدة في فكه الأعلى ، وأخرى في فكه الأسفل . كانوجه الزين مستطيلا ناتئ عظام الوجنتين والفكين وتحت العينين ، جبهته بارزة مستديرة، عيناه صغيرتان محمرتان دائما ، محجراهما غائران مثل كهفين في وجهه ، ولم يكن علىوجهه شعر إطلاقا . لم تكن له حواجب ولا أجفان ، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحيةأو شارب . تحت هذا الوجه رقبة طويلة ، ( منبين الألقاب التي أطلقهاالصبيان على الزين " الزرافة " ) والرقبة تقف على كتفين قويتين تنهدلان على بقيةالجسم في شكل مثلث . الذراعان طويلتان كذراعي القرد . اليدان يظتان عليهما أصابعمسحوبة تنتهي بأظافر مستطيلة حادة ( فالزين لا يقلم أظافره أبدا ) الصدر مجوف ، والظهر محدودب قليلا ، والساقان رقيقتان طويلتان كساقي الكركي ، أما القدمان فقد كانتا مفرطحتين عليهما آثار ندوب قديمة ( فالزين لا يحب لبس الأحذية ) وهو يذكر قصة كل جرح من هذه الجروح . مثلا هذا الشلخ الطويل على القدم اليمنى : الممتد من الرسغ على ظاهر القدم إلى الفرجة بين الأصبع الأولى والثانية . يحكي الزين قصته فيقول : " الجرح دا يا جماعة ليه حكاية " ويستفزه محجوب قائلا : " حكاية شنو يا عوير ؟ يا مشيت تسرق ضربوك بي غصن شوك " . ويقع هذا موقعا حسنا في نفس الزين . فيستلقي على قفاه ضاحكا . ثم يضرب الأرض بيديه ويرفع رجليه في الهواء ويظل يضحك بطريقته الفذة . ذلك الضحك الغريب الذي يشبه نهيق الحمار . وكان ضحكه قد أعدى الحاضرين جميعا ، فتحول المجلس إلى قهقهة مدوية . ويتمالك الزين نفسه . ويمسح بكم ثوبه الدمع الذي سال على وجهه من الضحك ، ويقول : أي .. أي .. مشيت أسرق " . ويستفزه محجوب من جديد : " شن مشيت تسرق آمر مد ؟ يمكن قت داير لك شيتن تاكله " . ويمسح الزين وجهه بيديه ويعود للضحك من جديد . ويرجح الحاضرون أن الزين دخل بيتا ليسرق طعاما . إذ أنه كان معروفا بالنهم ، إذا أكل لا يشبع . وفي الأعراس حين تأتي " سُفر " الطعام ويتحلق الناس حلقات يأكلون ، يتحاشى كل فريق أن يجلس الزين معهم ، إذ أنه حينئذ يأتي في لمح البصر على كل ما في الآنية ، ولا يترك أكلا لآكل . وقال له عبد الحفيظ : " مالك طاري العملة العملتها وقت عرس سعيد ؟ " وأجاب الزين وهو يقهقه : " أي طاري .. عليك أمان الله الأكل وكت أكلته عدمته الحبة إن كان موجني إسماعيل مقطوع الطاري لحقني " . كان الزين قد أوكل بنقل الطعام في عرس سعيد فكان يمشي جيئة وذهابا بين " الديوان " حيث اجتمع الرجال و" التٌكل " في داخل اليت حيث تقوم النسوة بالطهي . وفي الطريق من التٌكل إلى الديوان كان الزين يتمهل قليلا ويأكل ما طاب له الأكل من الوعاء الذي يحمله . وحين يصل به إلى الناس يكاد يكون خاليا وفعل ذلك ثلاث مرات حتى لفت انتباه أحمد إسماعيل ، فتابعه حتى وقف في نصف الطريق ، ورفع الغطاء عن صينية مملوءة بالدجاج المحمر . وما أن أمسك الزين بدجاجة منها وقربها إلى فمه ، حتى هجم عليه أحمد إسماعيل وأشبعه ضربا . وسأله محجوب مرة أخرى " ما تقول لنا يا فقر مشيت تسرق شنو ؟ " ولما لاحظ الزين أن الناس حوله قد أرهفوا آذانهم ، اعتدل في قعدته ووضع ذراعية بين ركبتيه وقال " الصيف الفات وقت حس المريق ... كنت متأخر في الساقية ، الدنيا يا زول كان القمر يلجلج ، رميت توبي فوق كتفي وجيت سادر للبيوت ، أقول لك وكت وصلت الرملة العند طرف الحلة ، اسمع لك حس زغاريت ... " وقاطعه محجوب : " أي صدق : دا كان عرس بكري " . واستمر الزين : " | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:03 am | |
| أقول لك يا زول قت أمشي أشوف الحكاية شنو . أتاري ناس فريق الطلحة سارّينالعرس . مشيت لقيت القيامة قايمة . الزيطة والزمبليطة والدلاليك والزغاريت أول شيمشيت أهبش إن كان ألقى لي شيتن آكله .. ". وانفجر المجلس بالضحك . فقد كانما قدروا .. " الحريم في التكل أدّني لحيمات أكلتها . وأدّني شيتن مر شربته ". وقال محجوب : " يبقي دا عرقي آ مسجم " .
وقال الزين : " لا مو عرقي قاللك أنا العرقي ما بعرفوا .. أقول لك آزول الشي الشربته دا طار لي في راسي . يعدينمرتحت من التكل . دخلت بيت القالك كمشة حريم والأرباح والدلكة والمحلب ما يدّيكالدرب ... عليّ بالطلاق آزول الريحة سكرتني " . وضحك عبد الحفيظ : " وينالمره البطلقها مع الرجال ؟ " لم يعبأ الزين بهذا . ولكنه استمر يحكي في القصة وقدأخذته النشوة " وفي الوسط القالك العروس . بنيتن سميحة مكبرته ومدخنة وملبسنها فركةترمصيص ". وهنا صمت الزين وأدار عينيه الصغرتين في وجوه الحاضرين . وفمه مفتوح وقدبرز سناه . ولم يقو محجوب على الصبر ، فأخذ يستحثه أن يكمل القصة : " بعدين شن سويت؟ " بعدين نطيب على العروس ". وحين قال هذا قفز من مكانهكالضفدعة . وضج الحاضرون وانفجر الزين في الضحك واستلقى على بطنه وراح يضرب برجليهفي الهواء . ثم انقلب على ظهره وقال وهو ما يزال يشهق بالضحك : " مسكت الشافعةعضيتها في خشمها ". وتشهد محجوب واستغفر . " أقول لك يا زول الحريم طقن الكواريكوالبيت فار والشافعة العروس بقت تصرخ . وما القا لك إلا زول ضرب كراعي بي سكين . أقول لك قت يا مين مسكنها فرد جريه لا من وصلت أهلي ". وفجأة استوى الزين جالساوظهر على وجهه بالغ . وقال يوجه حديثه لمحجوب : " اسمع يا زول . أنت داير تعرس ليبتك علوية ولا عندك كلام ؟ " فأجابه محجوب بجد وحزم كأنه يعني ما يقول : " البت أنامضيتها ليك . دحين قدام الناس الحاضرين ديل بعد تحش قمحك وتلم تمرك وتبيعه وتحضرالقروش نجي نعقد لك " . هذا الوعد أرضى الزين . وصمت برهة وقد قطب حاجبيه وزم شفتيهوكأنه قد أخذ يفكر في مستقبل حياته مع علوية ومسؤولية القيام بأعباء زوجة وأطفال . وقال : " خلاص . اشهدوا يا خوانا . الرجل دا مرقت منه كلمة . باكر بعد باكر ما يجييفكر " وقال الحاضرون جميعا . أحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وعبد الحفيظ . وحمدود الريس . وسعيد صاحب الدكان ،قالوا إنهم شهود على الوعد الذي قطعه محجوب وإنالزواج سيتم بإذن الله . قصة حب الزين لعلوية ابنة محجوب كانت آخر قصة حبله . بعد شهر أو شهرين سيسأمها ويبدأ قصة جديدة ، لكنه في الوقت الحاضر مشغول بها ،يصحو وينام على ذكرها تجده في الحقل في منتصف النهار محنيا على " طوريته " والعرقيتصبب من وجهه وفجأة يكف عن الحفروينادي بأعلى صوته : " أنا مكتول في حوشمحجوب ". وفي الحقول المجاورة يكف عشرات الناس . عن حفر الأرض برهة حين يسمعون نداءالزين . الشبان يضحكون ، وبعض الشيوخ الذين يضيقون أحيانا بعبث الزين يهمهمون بتبرم : " الولد المطرطش دا يرغي يقول شنو ؟ " وحين ينتهي العمل في الحقل إلى البيت وسطزفة كبيرة من الشبان والصبيان والفتيات الصغار ، يتضاحكون من حوله ، وهو يختالمزهوا بينهم . يضرب هذا على كتفه ، ويقرص هذه في خدها ويقفز في الهواء قفزات ،وكلما رأى شجيرة طلع على قارعة الطريق نط فوقها ، وبين الحين والحين يصيح بأعلىصوته ، صياحا يتردد في أرجاء القرية التي غربت عليها الشمس : "اروك .. يا ناسالغريق .. يا أهل الحلة ... أنا مكتول في حوش محجوب ... ". قتل الحب الزين أول مرة وهو حدث لم يبلغ مبلغ الرجال كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة ، نحيلا هزيلا كأنه عود يابس . ومهما قال الناس عن الزين ، فإنهم يعترفون بسلامة ذوقة ، فهو لا يحب إلا أروع فتيات البلد جمالا وأحسنهن أدبا وأحلاهن كلاما . كانت عزة ابنة العمدة في الخامسة عشرة من عمرها وقد تفتح جمالها فجأة كما تنتعش النخلة الصبية حين يأتيها الماء بعد الظمأ . كانت ذهبية اللون مثل حقل الحنطة قبيل الحصاد ، وكانت عيناها واسعتين سوداوين في وجه صافي الحسن ، دقيق الملامح ، ورموش عينيها طويلة سوداء ، ترفعهما ببطء فيحس الناظر إليها بوخز في قلبه ، وكان الزين أول من نبه شبان البلد إلى جمال عزة ، ارتفع صوته فجأة ذات يوم في جمع عظيم من الرجال نفرهم العمدة لإصلاح حقله . ارتفع صوته المبحوح الحاد . كما يرتفع صوت الديك عند طلوع الفجر : " عوك يا أهل الحلة . يا ناس البلد . عزه بنت العمدة كاتلالها كتيل ، الزين مكتول في حوش العمدة " . وفوجئ الناس بتلك الجرأة . والتفت العمدة بعنف ناحية الزين وقد تحرك غضب غريزي في صدره . وفجأة كأنما الناس كلهم ، في آن واحد ، أدركوا التباين المضحك بين هيئة الزين ، وهو واقف هنالك كأنه جلد معزة جاف ، وبين عزة بنت العمدة ، فأنفجروا ضاحكين كلهم في آن واحد . ومات الغضب في صدر العمدة . كان جالسا على مقعد تحت ظل نخلة ، محمر العينين ، منتفض الشاربين ، يحث القوم على العمل ، كان رجلا مهيبا جادا قل أن يضحك ، بيد أنه هذه المرة قد ضحك من قول الزين ، ضحكته الخشنة المفرقعة ، نعرس لك عزة " . وضحك القوم مرة أخرى مجاراة للعمدة ، ولكن الزين ظل صامتا . وعلى وجهه جد واهتمام ، ودون أن يشعر وجد ضربات معولة في الأرض تزداد قوة وتتابعاً. ومضى شهر بعد ذلك والزين لا حديث له إلا حبه لعزة وإن إباها وعده بزواجها . وقد عرف العمدة كيف يستغل هذه العاطفة ، فسخر الزين في أعمال كثيرة شاقة يعجز عنها الجن . كنت ترى الزين العاشق يحمل جوز الماء على ظهره في عز الظهر ، في حر تئن منه الحجارة مهرولاً هنا وهناك . يسقي جنينة العمدة . وتراه ماسكا بفأس أضخم منه يقطع شجرة أو يكسر حطبا . وتراه منهمكا يجمع العلف لحمير العمدة وخيله وعجوله . وحين تضحك له عزة مرة في الأسبوع ، لا تكاد الدنيا تسعه من الفرح ، وما إن مضى شهر ، حتى شاع في البلد أن عزه خطبت لابن خالها الذي يعمل مساعدا طبيبا في أبو عشر ولم يثر الزين ولم يقل شيئا ولكنه بدأ قصة جديدة استيقظت البلد يوما على صياح الزين : أنا مكتول في فريق القوز " : وكانت ليلاه هذه المرة فتاة من البدو الذين يقيمون على أطراف النيل في شمال السودان . يفدون من أرض الكبابيش ودار حمر ومضاب الهواوير والمريضاب في كردفان يشح الماء في أراضيهم في بعض المواسم ، فيفدون على النيل بإبلهم وأغنامهم طلبا للري ، وأحيانا تلم بهم سنوات قحط حين تضن السماء بالمطر فيتساقطون على المناهل في ديار الشايقية والبديرية المقيمين على النيل . أغلبهم لا يلبثون حتى تنكشف الغمة ثم يعودون من حيث أتوا ، ولكن بعضا منهم كانت تستهويهم حياة الاستقرار على وادي النيل فيبقون ، ومن هؤلاء عرب القوز . ظل هؤلاء البدو سنوات طويلة يرابطون على طرف الأرض المزروعة يبيعون اللبن ، يرعون الغنم ، ويجلبون حطب الوقود ، وفي موسم حصاد التمر يجمعونه لأصحابه مقابل أجر قليل . لا يتزاوجون مع السكان الأصليين ، فهم يعتبرون أنفسهم عربا خلصا ، وأهل البلد يعتبرونهم بدوا أجلافا . ولكن الزين كسر هذا الحاجز كان لا يستقر في مكان ما يزال سحابة نهاره سائحا في البلد من أقصاها إلى أقصاها . وحملته قدماه يوما إلى فريق القوز لغير سبب فحام حول البيوت كأنه يبحث عن شيء ضاع منه . وخرجت فتاة راع الزين جمالها فتسمر في مكانه . وكانت الفتاة قد سمعت به ، فإن شهرته وصلت حتى عرب القوز ، | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:04 am | |
| فضحكت له وقالت تعبث به : " الزين ، بتعرسني ؟ " وتبكم برهة ، فقد فتنه جمال الفتاةوأخذته حلاوة حديثها , لكنه ما لبث أن صاح بأعلى صوته : " واكتلتي يا ناس ". وامتدترؤوس كثيرة من أبواب البيوت وبين فرجات الخيام ، وصاحت أم الفتاة : " حليمه الموقفكشنو مع الدرويش دا ؟" وهب إخوان الفتاة على الزين ، ففر منهم ، ولكن حليمة ، حسناءالقوز ، أصبحت فيما بعد هوسا عنده ، لم يفارقه إلى أن تزوجت الفتاة ، فقد تسامعالناس بها وجاء كثيرون من أثرياء البلد وشبانه المرموقين ووجهائها يخطبونها منأبيها ، وتزوجها آخر الأمر ابن القاضي .
كان زواج بنت العمدة وزواجحليمة نقطة تحول في حياة الزين . فقد فطنت أمهات البنات إلى خطورته ، كبوق يدعين بهلبناتهن في مجتمع محافظ ، تحجب فيه البنات عن الفتيان ، أصبح الزين رسولا للحب ،ينقل عطره من مكان إلى مكان ، كان الحب يصيب قلبه أول ما يصيب ثم ما يلبث أن ينتقلمنه إلى قلبه غيره ، فكأنه سمسارا أو دلال أو ساعي بريد ينظر الزين بعينيهالصغيرتين كعيني الفأر ، القابعتين في محجرين غائرين ، إلى الفتاة الجميلة ، فيصيبهمنها شيء - لعله حب ؟ وينوء قلبه الأبكم بهذا الحب ، فتحمله قدماه النحيلتان إلىأركان البلد ، يجري ها هنا وها هنا كأنه كلبة فقدت جراءها ، ويلهج لسانه بذكرالفتاة ويصيح باسمها حيثما كان ، فلا تلبث الآذان أن ترهف ، وما تلبث العيون أنتنبه ، وما تلبث يد فارس من بينهم أن تمتد فتأخذ يد الفتاة . وحين يقام العرس ،تفتش عن الزين ، فتجده أما مسخرا يا القلل والأزيار بالماء أو واقفا في منتصفالساحة عاري الصدر . في يده فأس يكسر به الحطب أو بين النساء في المطبخ يعابثهن ،ويعطينه من آن لآخر قطعا من الطعام يملأ بها فمه ، وما يفتأ يضحك ضحكته التي شبهنهيق الحمار ، وتبدأ قصة حب أخرى .. وكان الزين يخرج من كل قصة حب كما دخل ، لايبدو عليه تغيير ما. ضحكته هي هي لا تتغير وعبثه لا يقل بحال . وساقاه لا تكلان عنحمل جسمه إلى أطراف البلد . ووفدت على الزين سنوات خصب مفعمة بالحب . فقدأصبحت أمهات البنات يخطبن وده ويستدرجنه إلى البيوت فيقدمن له الطعام ، ويسقينهالشاي والقهوة ، يدخل الزبن الدار من تلك الدور . فيفرش له السرير ، ويقدم لهالفطور أو الغداء في صينية وأوان ، ويؤتى بعد ذلك بالشاي السادة بالنعناع إذا كانالوقت ضحى ، والشاي الثقيل باللبن إذا كان الوقت عصرا . وبعد الشاي يؤتى بالقهوةبالقرفة والحبهان والجنزبيل ، سواء كان الوقت ضحى أو عصرا وما يسمع النساء أن الزينفي دار قريبة حتى يتقاطرن عليه ، والسعيدة منهن من تقع في قلبه موقعا ، والتي يخرجواسمها على فمه ، تلك الفتاة تضمن زوجا في خلال شهر أو شهرين . ولعل الزين ، بفطرةفيه ، أدرك خطورة مركزه الجديد ، فأصبح يتدلل على أمهات البنات ويتردد قبل أن يجيبدعوة إحداهن للإفطار أو للغداء . كل هذا وفي الحي فتاة واحدة لا يتحدثالزين عنها ، ولا يعبث معها ، فتاة تراقب من بعد بعيون حلوة غاضبة ، كلما رآهامقبلة يصمت ويترك عبثه ومزاحه ، وإذا رآها من بعد فر من بين يديها وترك لها الطريق . وروجت أم الزين أن ابنها ولي من أولياء الله . وقوي هذا الاعتقاد صداقةالزين مع الحنين . كان رجلا صالحا منقطعا للعبادة ، يقيم في البلد ستة أشهر في صلاةوصوم ، ثم يحمل إبريقه ومصلاته ويضرب مصعدا في الصحراء ، ويغيب ستة أشهر ، ثم يعودولا يدري أحد أين ذهب . ولكن الناس يتناقلون قصصا غريبة عنه ، يحلف أحدهم أنه رآهفي مروى في وقت معين . بينما يقسم آخر أنه شاهده في كرمه في ذلك الوقت نفسه - وبينالبلدين مسيرة ستة أيام . ويزعم أناس أن الحنين برفقة من الأولياء السائحين الذينيضربون في الأرض يتعبدون والحنين قلما يتحدث مع أحد من أهل البلد ، وإن سئل أينيذهب ستة أشهر كل عام . لا يجيب . ولا أحد يدري ماذا يأكل وماذا يشرب ، فهو لا يحملزادا في أسفاره الطويلة . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:05 am | |
| ولكن في البلد إنسانا واحديأنس إليه الحنين ويهش له ويتحدث معه - ذلك هو الزين ، كان إذا قابله في الطريقعانقه وقبله على رأسه ، وكان يناديه " المبروك " . وكان الزين أيضا إذا رأى الحنينمقبلا ، ترك عبثه وهذره وأسرع إليه وعانقه . ولم يكن الحنين يأكل طعاما في بيت أحد، إلا دار أهل الزين يسوقه الزين معه إلى أمه ويأمرها بصنع الغداء أو الشاي أوالقهوة . ويظل الزين والحنين ساعات في ضحك وكلام ، ويحاول أهل البلد أن يعرفوا منالزين سر الصداقة التي بينه وبين الحنين فلا يزيد على قوله : " الحنين راجل مبروك " . كانت للزين صداقات عديدة من هذا النوع ، مع أشخاص يعتبرهم أهل البلد منالشواذ ، مثل عشمانة الطرشاء ، وموسى الأعرج ، وبخيت الذي ولد مشوها ، ليست له شفةعليا ، جنبه الأيسر مشلول ، كان الزين يحنو على هؤلاء القوم ، إذا رأى عشمانة قادمةمن الحقل وعلى رأسها حمل ثقيل من الحطب حمله عنها وهش لها وداعبها ، كانت فتاة تخافمن كل أحد ، إذا صادفت امرأة أو رجلا في طريقها ارتعبت وفزعت ، كأنهم وحوش مفترسة ،ولكنها كانت تأنس للزين وتضحك له ضحكتها البكماء المحزنة التي تشبه صياح الدجاج ،وموسى الذي لا يذكر الناس اسمه ولكنهم يسمونه الأعرج ، رجل طاعن في السن ، حين تراهمقبلا ينفطر قلبك من كثرة ما يعاني في مشيه ، الحياة بالنسبة له طريق متعب شاق ،كان عبدا رقيقا لرجل موسر في البلد ، ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم ، آثر موسىأن يبقى مع مولاه ، كان مولاه شغوفا به يحبه ويبره ويعامله معاملة الابن ، ولماتوفي آلت الثروة إلى ابن سفيه ، فبددها وطرد موسى . وأدركته الشيخوخة وهو معدم لاأهل له ، ولا أحد يعنيه أمره . فعاش على حافة الحياة في البلد ، كما تعيش بعضالكلاب العجوزة الضالة ، التي تأوي إلى الخرابات في الليل ، وتبحث عن القوت نهاراًفي فجوات الحي ، يتحرش بها الصبيان ، عطف الزين على هذا الرجل ، وبنى له بيتا منجريد النخل وأعطاه معزة ملبنة كان يأتيه في الصباح فيسأله كيف بات ليله ، ويأتيهبعد غروب الشمس ، مالئا جيوبه بالتمر وثوبه منتفخ بالطعام ، فيلقيه بين يديه ،وأحيانا يجيء ومعه وقية شاي أو رطل سكر أو شيء من البن ، وتسأل موسى الأعرج عنالصداقة التي بينه وبين الزين فيقول لك وفي عينيه غشاوة من الدمع: " الزين حبابهعشرة الزين ود حلال " . ويرى أهل البلد هذه الأعمال من الزين فيزداد عجبهم . لعلهنبي الله الخضر لعله ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري ليذكر عباده أن القلب الكبيرقد يخفق حتى في الصدر المجوف والسمت المضحك كصدر الزين وسمتهوبعضهم يقول : " يضع سره في أضعف خلقه " . ولكن صوت الزين لا يلبث أن يرتفع مناديا : " يا أهلالغريق .. يا ناس الحلة . أنا مكتول ". فتتحطم هذه الصورة ، وتعود صورة الزين التييألفها الناس ويؤثرونها . كل هذا وفي الحي صبية حلوة ، وقورة المحيا ،غاضبة العينين ، تراقب الزين في عبثه ومزاحه وهزاره ، وجدته يوما في مجموعة منالنساء يضاحكهن كعادته ، فانتهرته قائلة : " ما تخلي الطرطشة والكلام الفارغ تمشيتشوف أشغالك ؟ " وحدجت النساء بعينيها الجميلتين . سكت الزين عن الضحك وطأطأ رأسهحياء ثم أنسل بين النساء ومضى في سبيله . لم تصدق آمنة أذنيها . وسألت حليمة بائعة اللبن ، للمرة العاشرة " فتي داير يعرس منو ؟ " وللمرة العاشرة قالت حليمة :" نعمة " مستحيل . لا بد أن الفتاة فقدت عقلها نعمة تتزوج الزين ؟ واختلطت الدهشة في صدر آمنة بالغضب وتذكرت بوضوح ذلك اليوم قبل شهرين حين بلغت كرامتها وتحاملت على نفسها وذهبت إلى أم نعمة ، كانت قد حلفت ألا تكلم سعدية بعد ذلك في حياتها ، فقد توفيت أم آمنة وجاء نساء البلد جميعا يعزينها إلا سعدية ، ولم تهتم آمنة أن سعدية كانت غائبة عن البلد في الوقت الذي توفيت فيه أمها . كانت مريضة في المستشفى في مروى حيث ظلت طريحة الفراش شهرا كاملا وحين عادت من مروى جاءت النساء جميعا يستفسرن عن صحتها إلا آمنة . وانقسم النساء فريقين ، فريق يخطئ سعدية ويقلن أن الواجب كان يحتم عليها أن تبدأ آمنة بالزيارة ، | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:06 am | |
| فالموت أكبر من المرض وفريق منالنساء يتحزب لسعدية ، ويقلن أن أم آمنة بلغت أرذل العمر على أي حال ، والحي خير منالميت وزاد اللغط وتعقدت المشكلة ، وأصرت كل من المرأتين على رأيها ، وأصبحت آمنةلا تكلم سعدية وسعدية لا تكلم آمنة . حتى قبل شهرين حين أصر ابن آمنة عليها أن تذهبوتخطب نعمة . وبلعت المرأة كرامتها وتحاملت على نفسها ودخلت على سعدية في دراها . وقت الضحى وعلى النار قهوة تغلي ، وعلى المائدة فناجين وسكر وأشياء استقبلتها سعديةاستقبالا فاترا ، وعرضت عليها القهوة بصوت بارد ، فرفضت آمنة ، ولم تزد سعدية ، لمتحلفها ولم تخصصها . لم تقل لها : " الرسول يتعرض لك النبي عليك ، الله يهديك تشربيالقهوة " . لم تزد على جملة واحدة ، وتطلبت آمنة شجاعة كبيرة ، لكي تحدث سعدية فيموضوع ابنها أحمد ، ونعمة ابنة سعدية ، عرقت وجفت وبلعت ريقها . , أخيرا قالت فيصوت مرتعش وفي داخلها تلعن ابنها الذي عرضها لكل هذا الاحتقار : " سعدية أختي . أناكت حالفه تاني الحاية ولا الممات ما يجيبني ليكي ، بحال أنت من دون الناس كلهمابيتي تجي تعزيني في أمي . لكين برضه المؤمن مسامح .. دحيني يا ختي أنا عافالك . الغرض الجابني ليكي حسع ، الشيء الجيتك من شأنه ، أحمد ولدي أبو أحمد وأنا عندنارغبة في نعمة لي أحمد " . ولما فرغت من حديثها ، شعرت بلسانها كقطعة من الخشب فيفمها وأحست بحلقها قد تقلص فتنحنحت مرتين وارتعشت يداها . ولم تقل سعدية شيئا . لوأنها فاهت بكلمة واحدة لهدأ روع آمنة قليلا . سعدية دائما تشعرها بأنها أقل منهاشأنا . أنها امرأة جميلة نبيلة الملامح والسلوك ، تحس وأنت تنظر إلى وجهها الوقورالسمح بثروة أخوانها السبعة ، وأملاك أبيها الواسعة ونخل زوجها وشجره وبقره ومواشيهالتي لا يحصيها العد . هذه المرأة لها أولاد ثلاثة تعلموا في المدارس واشتغلوا فيالحكومة ولها بنت جميلة يتطلع إليها الفتيان ، والناس يذكرونها بالخير ، هذه المرأةالقليلة الكلام ، لماذا لا تقول شيئا ؟ وأخيرا رفعت سعدية أهداب عينيها الطويلة ،ونظرت إلى آمنة نظرة لم تفهمها . لم يكن فيها غضب أو حقد أو عتاب أو ود . وقالتبصوتها الهادئ الذي لا يهتز ولا يثور : " إن شاء الله خير . طبعا الشورى عند أبوالبت ، وقت يجي نكلمه " تذكرت آمنة كل هذا ، وتذكرت كيف أنهم رفضوا بعد ذلك ، والآنيزوجونها للزين - هذا الرجل الهبيل الغشيم ! يزوجونها للزين دون سائر الناس ، وشعرتآمنة كأن في الأمر إساءة موجهة يها شخصيا ، عن عمد ، وارتاعت حليمة بائعة اللبن حينلاحظت عيني آمنة تتسعان بالغضب ، وحسبت أن آمنة أدركت أنها غشتها اللبن ، فزادتهوقالت لآمنة : " كمان ها كي دا زيادة عشان ما تزعلي " . تتابعت الأعوام ،عام يتلو عاما ، ينتفخ صدر النيل ، كما يمتلئ صدر الرجل بالغيظ ويسيل الماء علىالضفتين ، فيغطيالأرض المزروعة حتى يصل إلى حافة الصحراء عند أسفل البيوت ، تنقالضفادع بالليل ، وتهب من الشمال ريح رطبة مفعمة بالندى تحمل رائحة هي مزيج من أريجزهر الطلح ورائحة الحطب المبتل ورائحة الأرض الخصبة الظمأى حين ترتوي بالماء ورائحةالأسماك الميتة التي يلقيها الموج على الرمل ، وفي الليالي المقمرة حين يستدير وجهالقمر يتحول الماء إلى مرآة ضخمة مضيئة تتحرك فوق صفحتها ظلال النخل وأغصان الشجروالماء يحمل الأصوات إلى أبعاد كبيرة ، فإذا أقيم حفل عرس على بعد ميلين تسمعزغاريده ودق طبوله وعزف طنابيره ومزاميره كأنه إلى يمين دارك . ويتنفس النيلالصعداء ، وتستيقظ ذات يوم فإذا صدر النيل قد هبط وإذا الماء قد انحسر عن الجانبين، يستقر في مجرى واحد كبير يمتد شرقا وغربا ، تطلع منه الشمس في الصباح وتغطس فيهعند المغيب . وتنظر فإذا أرض ممتده ريانة ملساء ترك عليها الماء دروبا رشيقة مصقولةفي هروبه إلى مجراه الطبيعي . رائحة الأرض الآن تملأ أنفك فتذكرك برائحة النخل حينيتهيأ اللقاح . الأرض ساكنة مبتلة ، ولكنك تحس أن بطنها ينطوي على سر عظيم ، كأنهاامرأة عارمة الشهوة تستعد لملاقاة بعلها . الأرض ساكنة ولكن أحشاءها تضج بماء دافقهو ماء الحياة والخصب . الأرض مبتلة متوثبة ، تتهيأ للعطاء ، ويطعن شيء حادا أحشاءالأرض . لحظة نشوة وألم وعطاء . وفي المكان الذي طعن في أحشاء الأرض ، تتدفق البذور، وكما يضم رحم الأنثى الجنين في حنان ودفء حب . كذلك ينطوي باطن الأرض على حبالقمح والذرة واللوبيا ، وتتشقق الأرض عن نبات وثمر . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:07 am | |
| تذكر نعمة وهي طفلة أن النساءكن إذا جئن لزيارة أمها كن يجلسنها على حجورهن ، ويمسحن بأيديهن على شعرها الغزيرالمتهدل على كتفيها ، ويقبلنها على خدها وشفتها ويدغدغنها ، ويضممنها إلى صدورهن . وكانت تمقت ذلك ، وتتلوى في أذرعهن ، ومرة ضجرت عبث امرأة بدينة بها ، وشعرت بذراعيالمرأة الغليظتين تنطبقان عليها ، كأنهما فكا حيوان مفترس ، وبردفي المرأة المثقلةوعطرها القوي ، كأنها تخنقها ، وتململت نعمة وحاولت أن تتخلص من قبضة المرأة . ولكنالمرأة ضمتها إلى صدرها بقوة وانقضت على وجهها بشفتيها المكتنزتين تقبلها علىرقبتها وعلى خدها ، وتشمها ، صفعتها نعمة على وجهها صفعة قاسية ، وذعرت المرأةوانفك ذراعاها وانفلتت نعمة وتركت الغرفة . ولما كبرت ولم تعد طفلة ، أصبحت رؤوسالنساء والرجال على السواء تلتفت إليها ، حين تمر بهم في الطريق . لكنها لم تكنتأبه لجمالها ، وتذكر أيضا كيف أرغمت أباها أن يدخلها في الكُتَّاب لتتعلم القرآن . كانت الطفلة الوحيدة بين الصبيان . وبعد شهر واحد تعلمت الكتابة ، وكانت تستمع إلىصبيان يكبرونها يقرأون سورا من القرآن ، فتستفر في ذهنها ، وأقبلت على القرآن ،تحفظه بنهم ، وتستلذ بتلاوته وكانت تعجبها آيات معينة منه ، تنزل على قلبها كالخبرالسار ، كانت تؤثر مما حفظته سورة الرحمن وسورة مريم وسورة القصص ، وتشعر بقلبهايعتصره الحزن وهي تقرأ عن أيوب وتشعر بنشوة عظيمة حين تصل إلى الآية وآتيناه أهلهومثلهم معهم رحمة من عندنا . وتتخيل رحمة امرأة رائعة الحسن متفانية في خدمة زوجها، وتتمنى لو أن أهلها اسموها رحمة . كانت تحلم بتضحية عظيمة لا تدري نوعها ، تضحيةضخمة تؤديها في يوم من الأيام ، فيها ذلك الإحساس الغريب الذي تحسه حين تقرأ سورةمريم ونشأت نعمة طفلة وقورة ، محور شخصيتها الشعور بالمسؤولية ، تشارك أمها فيأعباء البيت ، وتناقشها في كل شيء ، وتتحدث إلى أبيها حديثا ناضجا جريئا يذهله فيبعض الأحيان ، كان أخوها الذي يكبرها بعامين يحثها على مواصلة التعليم في المدارسويقول لها : " يمكن تبقي دكتورة ولا محامية " . ولكنها لم تكن تؤمن بذلك النوع منالتعليم . تقول لأخيها وعلى وجهها ذلك القناع الكثيف من الوقار : " التعليم فيالمدارس كله طرطشة . كفاية القراية والكتابة ومعرفة القرآن وفرايض الصلاة " . ويضحكأخوها ويقول : " باكر يجي ود حلال يعرسك وتنفك مع حججك " . أفراد أسرتها يقولون لهاهذا مع إحساس بالخوف ، فهم يدركون أن هذه الفتاة الغاضبة العينين الوقورة المحيا ،تضم صدرها على أمر تخفيه عنهم ، ولما بلغت السادسة عشرة و بدأت أمها تتحدث عنالفتيان الذين يصلحون أصهارا . ولكن نعمة تهز كتفيها ولا تقول شيئا . ولما جاءتآمنة إلى سعدية تحدثها في أمر زواج نعمة من أحمد وقالت لها سعدية : " الشورى عندأبو البت " كانت تعلم في قرارة نفسها أن ( الرأي ) لا لأحد غير نعمة نفسها . وكانلابد من خيارها . فهزت كتفيها وقالت : أنا لي الليلة ما بقيت للعرس ) وكان من العبثمناقشتها ، خاصة وأن سعدية لم تكن متحمسة لأن تصبح حماة لآمنة . لم يمض بعد ذلك وقتطويل حتى ظهر خطيب آخر : إدريس . فتيات كثيرات في البلد كن يتمنين أن يصبحن زوجاتله فقد كان متعلما ، يعمل مدرسا في مدرسة ابتدائية . وكان دمث الأخلاق ، حسن السيرةبين أهل البلد ومع أن عائلته لم تكن من العوائل ذوات الأصل ، التي يشار إليها فيالبلد ، إلا أن أباه كون لنفسه مكانة بين الناس بجده وحسن عشرته كانت أسرة طيبةميسورة الحال ، وكان حاج إبراهيم والد نعمة ، وأمها سعدية ، وأخوانها الثلاثة ،يميلون إلى قبول إدريس . بيد أن نعمة كان لها رأي غير ذلك . هزت كتفيها وقالت : " ما بدوره ) . واحتد حاجإبراهيم في كلامه معها وهم بصفعها . ولكنه توقف فجأة . شيءما في محيا تلك الفتاة العنيدة قتل الغضب في صدره . لعله تعبير عينيها ، لعلهالتصميم الرزين على وجهها . وكأنما أحس الرجل بأن هذه الفتاة ليست عاقة ولا متمردة . ولكنها مدفوعة بإيعاز داخلي إلى الإقدام على أمر لا يستطيع أحد ردها عنه .ومن يومها لم يكلمها أحد في أمر الزواج .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:09 am | |
| وكانت نعمة حين تفرغ نفسها وأفكارها ، وتخطر على ذهنها خواطرالزواج . تحس أن الزواج سيجيئها من حيث لا تحتسب . كما يقع قضاء الله على عباده . مثل ما يولد الناس ويموتون ويمرضون ، مثل ما يبيض النيل ، وتهب العواصف ، ويثمرالنخل كل عام ، كما ينبت القمح ويهطل المطر وتتبدل الفصول كذلك سيكون زواجها ، قسمةقسمها الله لها في لوح محفوظ قبل أن تولد ، وقبل أن يجري النيل ، وقبل أن يخلق اللهالأرض وما عليها ، لم تكن تحس بفرح أو خوف أو أسى حين تفكر في هذا ، ولكنها كانتتشعر بمسؤولية كبيرة ستوضع على كتفيها في وقت ما ، قد يكون قريبا ، وقد يكون بعيدا، صاحباتها في الحي ، كل فتاة تشب وفي ذهنها صورة معينة عن الفارس الذي يربط فرسهذات مساء ساجي الضوء خارج الدار ، ويدخل ويختطفها من بين أهلها ، ويهرب بها بعيداإلى عوالم سحرية من السعادة ورغد العيش ، أما نعمة فلم ترتسم في ذهنها صورة محددة ،كبرت وكبر معها حب فياض ستسبغه يوما ما على رجل ما قد يكون الرجل متزوجا له أبناء ،يتزوجها على زوجته الأولى قد يكون شابا وسيما متعلما ، أو مزارعا من عامة أهل البلدمشقق الكفين والرجلين ، من كثرة ما خاض وضرب المعول ، قد يكون الزين ... وحين يخطرالزين على بال نعمة تحس إحساسا دافئا في قلبها ، من فصيلة الشعور الذي تحسه الأمنحو أبنائها ، ويمتزج بهذا الإحساس شعور آخر ، بالشفقة ، يخطر الزين على بالها كطفليتيم عديم الأهل ، في حاجة إلى الرعاية ، أنه ابن عمها على كل حال ، وما في شفقتهاعليه شيء غريب . لم تكن أم الزين تبالي أين يقضي الزين ليله ، فقد كان كروحقلق ليس له مستقر ، حيثما أقيم عرس تجد الزين : في فريق الطلحة أو عند عرب القوز فيقبلي أو بحري ، لا يحبسه برد ، ولا عاصفة تهب بالليل ولا النيل الطامي في موسمفيضانه ، تلتقط أذنه بحساسية نادرة زغاريد النساء على بعد أميال ، فيضع ثوبه علىكتفه ويهرول كأن شيئا يجذبه إلى مصدر الصوت . وأحيانا يسطع النور فجأة من وراءكثبان الرمل ، حين تعدو السيارات آتية من أم درمان ، فإذا شخص نحيل يحب في الرمليميل بجسمه إلى الأمام قليلا وعيناه تنظران إلى الأرض ، يحث الخطى متجها شرقا . يرىالركاب الزين فيعلمون أن ثمة حفل عرس في طرف الحي ، فإما صاحوا به حين يمرون عليه ،وأما أوقفوا السيارة وتحرشوا به . وأحيانا يسير وراءه كوكبة منهم ، وتقترب زغاريدالنساء وتتضح معالمها . ويستطيع الزين أن يميز النساء . أية امرأة زغردت ، ثم تبدوالأنوار وتبدو أشباح مجتمعة تصعد وتهبط كأنها شياطين في وادي الجن . ثم يظهر الغبارالذي تثيره أرجل الناس في رقصها ، يتشبث بخيوط الضوء . وفجأة ينشق الليل عن نداءيعرفه كل أحد : " عوك يا أهل العرس ، يا ناس الرقيص الزين جاكم " . وإذا الزين قدقفز كالقضاء واستقر في حلقه الرقص . ويفور المكان فجأة فقد نفث فيه الزين طاقةجديدة . ومن بعيد يسمع المرء صيحاتهم يرحبون به : " ابشر . ابشر . حبابك عشرة " . وحين تموت أصوات النساء في حلوقهن ، وتطفأ الأنوار ، ويتراوح الناس إلى دورهم قبيلطلوع الفجر ، يسند الزين رأسه إلى حجر أو إلى جذع شجرة ، وينام برهة نوما خفيفاكنوم الطير . وحين يؤذن المؤذن لصلاة الفجر ، يقفل عائدا إلى أهله ، فيوقظ أمهلتصنع الشاي . بيد أن المؤذن قد أذن ذات صباح ، ولم يعد الزين . وأحمر الأفق الشرقيقبيل طلوع الشمس ، ثم ارتفعت الشمس قدر قامة الرجل ولم يعد الزين . وأحست أم الزينبرجفة خفيفة في جنبها الأيسر فلم تستبشر خيرا . إنها تعتقد أن جنبها الأيسر إذا رجففإن شرا سيلم بها أو بأحد ذويها لا محالة . وهمت أن تذهب لعم الزين . ولكنها سمعتحركة عند باب الحوش وسمعت باب الحوش الكبير يصر ، ثم سمعت خبطة قوية ، وفجأة رأتأمامها شيئا مريعا . فصرخت صرخة سمعها حاج إبراهيم أبو لحمة في رابع بيت وهو جالسعلى مصلاته يشرب قهوة الصباح . امتلأت الدار بالناس رجالا ونساء وحملوا أم الزينفاقدة الوعي . وانشق الناس نصفين . نصفا راح مع الأم ، ونصف أغلبهم من الرجالالتفوا حول الزين ، كان على رأسه جرح كبير يصل إلى قريب من عينه اليمنى ، وصدرهوثوبه وسرواله ملطخة بالدم . وفقد الناس رشدهم . وأخذ عبد الحفيظ يصيح في الزين وقداحمرت عيناه من الغضب : " كلمنا مين عمل فيك العملة دي ؟ مين الكلب المجرم الضربك ؟ " وتصارخت النساء وبعضهن أخذن في البكاء وكانت نعمة تقف عن بعد ، صامته ، وعيناهامركزتان على وجه الزين ، وقد حل محل الغضب فيهما حنو عظيم . وقال حاج إبراهيم : " الحكيم " . وكان للكلمة وقع الماء على النار ، فهدا عويل النساء وصاح محجوب : " الحكيم " وصاح عبد الحفيظ : " الحكيم " وانطلق أحمد إسماعيل على حماره ليحضره . ولما عاد الزين من المستشفى في مروى حيث ظل أسبوعين كان وجهه نظيفا يلمع . وثيابه بيضاء ناصعة . وضحك فلم ير الناس كما عهدوا سنين صفراوين في فمه ، ولكنهم رأوا صفا من السنان اللامعة في فكه الأعلى ، وصفا من أسنان كأنها من صدف البحر في فكه الأسفل . وكأنما الزين تحول إلى شخص آخر . وخطر لنعمة وهي واقفة بين صفوف المستقبلين أن الزين في الواقع لا يخلو من وسامة .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:10 am | |
| وظل الزين بعد ذلك زمنا طويلا ، ولا حديث له إلا رحلته لمروى . كان يلذ لهأن يجتمع حوله رفاقه القدامى ، محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، وحمد ودالريس والطاهر الرواسي ، وسعيد التاجر ، فيحكي لهم ما جرى له . " أول ماوصلت يا زول قلعوني هدومي ولبسوني هدوما نظاف .. السرير يرقش . الملايات بيض زياللبن والبطاطين والبلاط يزلق الكراع ... " وقاطعة محجوب متحرشا : " خلك منالبطاطين والبلاط كرشك الكبيرة دي ملوها ليك بي شنو ؟ " وارتجف فم الزين كأنه مقبلعلى وليمة : " هلا هلا الأكل في استبالية مروى ولا بلاش . هو عاد جنس أكل . شيتنسمك شيتن بيض شيتن لحم شيتن دجاج " . وقاطعه محجوب مرة أخرى : " الأكل فيالاستباليات ما قالوا شوية ؟ كيفن كت بتشبع ؟ " وابتسم الزين ابتسامة كبيرة ميدرة ،حتى يظهر أسنانه الجديدة : " بحال التمرجية كان صاحبتي قعد قدام الأكل " . وصاح عبدالحفيظ : " أي لا إله إلا الله ... آمسنوح . كمان مشيت تتعلبس على التمرجيات ؟ " وارتج جسم الزين بضحك مكتوم : " أي .. أي ... أمانة يا زول مي شافعتن سميحة " . وتدخل ود الرواسي بعد أن كان يستمع ويضحك دون أن يقول شيئا : " عليك الرسول! الزين كدى وصفها لينا " . والتفت الزين خلفه كأنه يخاف أن يسمعه أحد وخفض صوته : " عليك أمان يا زول عليها كبر صلبن " . وانقطع حبل الحديث وقتا . فقد ضج المجلسبالضحك وحين استجمع حمد ود الريس أنفاسه قال ، وما يزال في صدره بقية من ضحك : " شنسويت معاها آمقطوع الطاري ؟ " واصل الزين حديثه كأنه لم يسمع هذا السؤال الأخير : " بنيتن سميحة من أمدرمان ، مرها ، ماها مشلخة " . وزحف ود الرواسي قريبا من الزينوأعاد سؤاله بطريقة أخرى : " أنت شن أوراك كبر صلبها ؟ " وقال الزين على الفور : ( قالوا لك أنا عميان ؟ الشي وقت يبقي قدامي ما بشوفه ؟ " وكأن محجوب سر من هذا الردفقال وهو ينظر إلى ود الريس : " الداهي نجيض . ساكت قايلنه عويد ) . ووضع الزينيديه خلف رأسه ومال إلى الوراء قليلا ، ثم قال ببطء وعلى وجهه ابتسامة خبيثة : " دايرين يا جماعة تعرفو شن سويت لها ؟ " وقال ود الريس بلهفة : " الرسول الزين حدثناشن سويت لها " . واتسعت ابتسامة الزين ، ثم فتح فمه ليتكلم ، فانعكس شيء من ضوءالمصباح الكبير المعلق في دكان سعيد على أسنانه . وفجأة ، وفي وقت واحد ، قفز محجوبوالطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس . وصاح عبد الحفيظ : ( امسكوه ) . لكنه كان أسرعمنهم في لمح البصر كان الزين قد أمسك بالرجل ورفعه في الهواء بعنف ثم رماه في الأرض، ثم شده من رقبته وانكبوا كلهم عليه ، أحمد إسماعيل أمسك بذراعه اليمنى ، وعبدالحفيظ أمسك بذراعه اليسرى ، والطاهر الرواسي أمسك به من وسطه . وحمد ود الريس أمسكبساقيه ، وكان سعيد يزن شيئا في دكانه ، فخرج مشرعا وأمسك بساقي الزين أيضا ، لكنهملم يفلحوا . تدفقت في جسم الزين النحيل قوة مريعة جبارة لا طاقة لأحد بها أهل البلد جميعا يعرفون هذه القوة الرهيبة ويهابونها ، وأهل الزين يبذلون جهدهم حتى لا يستعملها الزين ضد أحد . أنهم يرتعدون روعا كلما ذكروا أن الزين أمسك مرة بقرني ثور جامح استفزه في الحقل ، أمسك به من قرنيه ، ورفعه عن الأرض كأنه حزمة قش وطرح به ثم ألقاه أرضا مهشم العظام ، وكيف أنه مرة في فورة من فورات حمساة قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة . كلهم يعلم أن في هذا الجسم الضاوي قوة خارقة ليست في مقدور بشر : وسيف الدين .. هذه الفريسة التي انقض عليها الزين الآن ، أنه لا محالة هالك واختلطت أصواتهم برهة . كان الزين يردد في غضب ( الحمار الدكر لازم أكتله ) - والحمار الدكر أقصى ذم يلحقه الزين برجل . وارتفع صوت عبد الحفيظ في توتر وخوف : ( الرسول الزين عليك الله خليه ) . وأخذ محجوب يشتم في يأس . وكان أحمد إسماعيل أصغرهم سنا وأقواهم ، ولما أعيته الحيلة عض الزين في ظهره . وكان الطاهر الرواسي رجلا مشهورا بقوته ، كان في بحثه عن السمك في الليل يعوم النيل ذهابا وجيئة ويغطس في الماء نصف الساعة فلا ينقطع نفسه . لكن قوته لم تكن شيئا بجانب الزين . وفي ضوضائهم سمعوا شخيرا يصدر من حلق سيف الدين وأوه يضرب برجليه الطويلتين في الهواء . وصاح محجوب : " مات كتله " .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:11 am | |
| لكن صوتالحنين ارتفع هادئا وقورا فوق الضجة : ( الزين . المبروك . الله يرضى عليك ) وانفكتقبضة الزين ووقع سيف الدين على الأرض هامدا ساكنا ووقع الرجال الستة دفعة واحدة . فقد فاجأهم صوت الحنين وباغتهم الزين بسكوته المفاجئ فكأن حائطا أمامهم كانوايدفعونه ، إنهد بغته ، ومضت برهة قصيرة جدا ، مقدار طرفة العين ساد فيها صمت كامل ،لا بد أنه كان صمتا مزيجا من رعب وحيرة وأمل ، بعد ذلك جاشت الحياة فيهم مرة أخرىوتذكروا سيف الدين ، أنكبت رؤوسهم عليه ، ثم صاح محجوب بصوت فرح مرتعش ( الحمد لله . الحمد لله ) وحملوا سيف الدين ووضعوه على كنبة أمام دكان سعيد وفي أصوات متوترةخافتة أخذوا يعيدونه إلى الحياة حينئذ فقط تذكروا الزين فرأوه جالسا على مؤخرتهويداه بين ركبتيه مطأطئاًَ رأسه ، وكان الحنين قد وضع يده على كتف الزين في حنانبالغ ، كان يتحدث إليه في صوت حازم لكنه مليء بالحب : ( الزين المبروك . ليه عملتكده ؟ ) . وجاء محجوب وانتهر الزين ، لكن الحنين نظر إليه نظرة أسكنته . وبعد برهة قال محجوب للحنين : لو ما كت جيت يا شيخنا كان كتله ، وانضم إليهم أحمدإسماعيل والطاهر الرواسي ، وبقي عبد الحفيظ وسعيد التاجر وحمد ود الريس مع سيفالدين ، وبعد برهة قال الزين وهو ما يزال مطأطئ الرأس ، مرددا كلام محجوب : " إن كتما جيت يا شيخنا كت كتلته ، الحمار الدكر ، وقت ضربني في رأسي بالفأس قايل ماش اسكتله " . لم يكن في صوته غضب ، كان صوته أقرب إلى مرحه الطبيعي منه إلى الغضب، وسرت في الحاضرين رعشة مرح خفيفة ، لكنهم ظلوا صامتين ، وقال الحنين : " لكين أنتما كت غلطان ؟ ) . وظل الزين صامتا ، فقال الحنين مواصلا كلامه ( متين سيفالدين ضربك بالفأس في رأسك ؟ فأجاب الزين ضاحكا ووجهه مشبع بالمرح : ( وصت عرس أخته ) . واستمر الحنين وفي صوته هو الآخر رنة مرح : ( شن سويت لي أخته يوم عرسها ؟ ) . ( أخته كانت دايراني أنا . مشو عرسوها للراجل الباطل داك ) وضحك أحمد إسماعيل بالرغم منه . وقال الحنين في صوت أكثر رقة وحنانا : ( كل البنات دايرتنك يا لمبروك . بارك تعرس أحسن بت في البلد دي ) . وأحس محجوب بخفقة خفية في قلبه . كان فيه رهبة دفينة من أهل الدين ، خاصة النساك منهم أمثال الحنين . كان يهابهم ويبتعد عن طريقهم ولا يتعامل معهم . وكان يحاذر نبوءاتهم ويحس بالرغم من عدم اهتمامه الظاهري ، بأن لها أثرا غامضا . ( نبوءات هؤلاء النساك لا تذهب هدرا ) ، يقول في سره لعل هذا هو الذي جعله يقول بصوت مرتفع فيه رنة واحتقار : ( منو البتعرس البهيم دا ؟ كمان على العلية ، داير يجيب لنا جنيه ) . ونظر الحنين إلى محجوب نظرة صارمة ، ارتعدت لها فرائض محجوب لولا أنه تشجع ، وقال : ( الزين مو بهيم الزين مبروك ، باكر يعرس أحسن بت في البلد ) . وفجأة ضحك الزين ضحكة بريئة ، ضحكة طفل ، وقال ( كت داير أموته ، الحمار الدكر يفلقني بالفاس علشان أخته دايراني أنا ؟ ) فقال الحنين يحزم : ( دحين دايزنك تصالحه . خلاص الفات مات ، هو ضربك ، وأنت ضربته ) . ونادى سيف الدين ، فجأة بقامته الطويلة وحوله سعيد وعبد الحفيظ وحمد ود الريس . فقال الحنين للزين ( قوم سلم فوق رأسه ) . فقام الزين دون أي اعتراض وأمسك برأس سيف الدين وقبله ، ثم أهوى على رأس الحنين وأشبعها قبلا وهو يقول : ( شيخنا الحنين . أبونا المبروك ) وكانت لحظة مؤثرة أثارت الصمت في نفوس أولئك الرجال ، ودمعت عينا سيف الدين وقال للزين : ( أنا غلطان في حقك ، سامحني ) وقام وقبل رأس الزين ثم أمسك بيد الحنين وقبلها ، وجاء الرجال كلهم ، محجوب ، وعبد الحفيظ وحمد ود الريس ، والطاهر الرواسي ، وأحمد إسماعيل ، وسعيد التاجر ، كل واحد منهم أمسك بيد الحنين في صمت وقبلها . وقال الحنين بصوته الرقيق الوديع : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) ووقف وأمسك إبريقه في يده . فسارع محجوب يستضيفه : ( لازم تتعشى معانا الليلة ) لكن الحنين رفض بلطف وقال وهو يمسك بيده الأخرى كتف الزين : ( العشا في بيت المبروك ) ، وغابا معاً في الظلام . رف على رأسيهما برهة قبس من ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد ، ثم انزلق الضوء عنهما كما ضوء المصباح المعلق في دكان سعيد . ثم انزلق الضوء عنهما كما ينزلق الرداء الحريري الأبيض عن منكب الرجل . ونظر محجوب إلى عبد الحفيظ ونظر سعيد إلى سيف الدين ، ونظروا كلهم بعضهم إلى بعض وهزوا رؤوسهم .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:13 am | |
| بعد هذاالحادث بأعوام طويلة ، حين أصبح محجوب جداً لأحفاد كثيرين . كذلك أصبح عبد الحفيظوالطاهر الرواسي والباقون ، وحين أصبح أحمد إسماعيل أبا وصارت بناته للزاوج ، كانأهل البلد - وبينهم هؤلاء - يعودون بذاكرتهم إلى ذلك العام ، وإلى حادث الزينوالحنين وسيف الدين الذي وقع أمام دكان سعيد ، الذين اشتركوا في ذلك الحادث يذكرونهبرهبة وخشوع ، بما فيهم محجوب الذي لم يكن يأبه لشيء من قبل ، لقد تأثرت حياة كلواحد من أولئك الرجال الثمانية ، يستعيدون فيما بينهم . آلاف المرات تفاصيل الحادث . وفي كل مرة ، كانت الحقائق تتخذ وقعا أكثر سحرا . يذكرون في عجب كيف أن الحنين هلعليهم من حيث لا يعلمون ، في اللحظة ، عين اللحظة ليس قبل ولا بعد ، حين ضاقت قبضةالزين على خناق سيف الدين وكادت تودي به ، بل أن بعضهم يجزم أن سيف الدين قد ماتبالفعل : لفظ نفسه الأخير ، ووقع على الأرض جثة هامدة ، وسيف الدين نفسه يؤكد هذاالزعم ، يقول أه مات بالفعل ، وفي اللحظة التي ضاقت فيها قبضة الزين على حلقه ،يقول أنه غاب عن الدنيا البتة ، ورأى تمساحا ضخما في حجم الثور الكبير فاتحا فمه . وانطبق فكا التمساحعليه ، وجاءت موجة كبيرة كأنها الجبل فحملت التمساح في هوةسحيقة ليس لها قرار ، في هذا الوقت ، يقول سيف الدين أنه رأى الموت وجها لوجه ،ويجزم عبد الحفيظ ، وقد كان أقرب الناس إلى سيف الدين حين عاد إلى وعيه ، أن أولكلمات فاه بها ، حين جاش النفس في رئتيه من جديد ، أول شيء تفوه به حين فتح عينيه ،أنه قال : " أشهد إلا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله " .
ومهما يكون فمما لا شك فيه أنحياة سيف الدين ، منذ تلك اللحظة ، تغيرت تغيرا لم يكن يحلم به أحد ، كان سيف الدينالابن الوحيد للبدوي الصائغ - سمي الصائغ لأن تلك كانت حرفته في بداية حياته ، ولماأثرى ولم يعد صائغا لصق به الاسم فلم يفارقه ، كان البدوي رجلا موسرا ، ولعله أثرىرجل في البلد ، جمع بعض ثروته بعرق جبينه ، من الصياغة والتجارة والسفر ، وبعضها آلإليه عن طريق زوجته . كان كما يقول أهل البلد . رجلا ( أخضر الذراع ) لا يمس شيئاإلا تحول بين يديه إلى مال ، في أقل من عشرين عاما ، كون من العدم . ثروة بعضها أرضوضياع ، وبعضها تجارة منتشرة على طول النيل من كرمه إلى كرمه ، وبعضها مراكب موسقةبالتمر والبضائع تجوب النهر طولا وعرضا ، وبعضها ذهب كثير تلبسه زوجته وبناته فيشكل حلي يملأ رقابهن وإيديهن . ونشأ سيف الدين ولداً واحداً بين خمس بنات ، تدللهأمه ، ويد لله أبوه ، وتدلله أخواته الخمس . فكان لا بد أن يفسد ، أو كما يقول أهلالبلد ، كان لا بد أن ينشأ هشا رخوا ، كالشجيرة التي تنو في ظل شجرة أكبر منها . لاتتعرض للريح لا ترى ضوء الشمس ، مات البدوي وفي حلقه غصة مريرة من ابنه . أنفق عليهمالاً كثيراً لكي يتعلم . فلم يفلح وأنشأ له متجراً في البلد فأفلس في شهر ، ثمالحقه بورشة ليتعلم الصناعة فهرب . وبعد لأي ، ووساطة وتشفع نجح في تعيينه موظفاصغيرا في الحكومة لعله يتعلم كيف يعتمد على نفسه . لكن لم تمضي أشهر حتى جاءتهالأنباء تترى . من أفواه الأعداء والأصدقاء . من الشامتين والمشفقين على السواء أنابنه يبيت ليله كله في خماره ولا يرى المكتب إلا مرة أو مرتين في الأسبوع . وأنرؤساءه أنذروه مراراً وهددوا بفصله من العمل ، فسافر الرجل إلى المدينة وعاد يسوقابنه كالسجين وحلف ليسجننه طول حياته في الحقل - كالعبد الرقيق . هكذا قال . ومضى عام على سيف الدين وهو يجمع العلف للبقر ويرعى الماشية على أطرافالحقل سحابة نهاره . يزرع ويحصد ويقطع ويتأوه . ومع ذلك فلم يعدم تلسية بالليل . كان يعرف أماكن صنع الخمر . ويصادق الجواري اللائي يصنعنها - ( الخدم ) : كما يقولأهل البلد كن رقيقا أعطي حريته . بعضهن هاجرن من البلد وتزوجن بعيدا عن موطن رقهن ،وبعضهن تزوجن الرقيق المعتقين في البلد وعشن حياة كريمة بينهن وبين سادتهن السابقينود وتواصل وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار فبقين على حافة الحياة في البلد . محطالطلاب الهوى واللذة . والحق أن مجتمع الجواري هذا كان شيئا غريبا . فيه روحالمغامرة والتمرد والخروج على المألوف . هناك في طرف الصحراء بعيدا عن الحي ، تقبعبيوتهن المصنوعة من القش . بالليل حين ينام الناس . ترتعش من فرجاتها أضواءالمصابيح وتسمع منها ضحكات مخمورة نشوى . ضاق بها أهل البلد فأحرقوها ، لكنها عادتإلى الحياة مثل نبات الحلفا . لا يموت . وطردوا سكانها وعذبوهم بشتى السبل . لكنهملم يلبثوا أن تجمعوا من جديد كالذباب الذي يحط على بقرة ميتةوكم من شابمراهق ، خفق قلبه في جنح الظلام حين حمل إليه الليل ضحكات الجواري وصياح المخمورين . في تلك ( الواحة ) على حافة الصحراء . بشيء مخيف ، لذيذ رهيب ، يغري بالاستكشاف . ولم يكن عسيرا على سيف الدين أن يجد طريقه إليها . هنالك كان يقضي لياليه ، وكانتله من بينهن خليلة . كل هذا تحمله أبوه في صبر . كانت الأخبار تأتيه ، فكان يتغاضىأحيانا ، وأحيانا يثور . لكن صبره نفذ حين جاء سيف الدين ذات ليلة ، وهو على سجادتهبعد صلاة العشاء . كان تفوح من فمه رائحة الخمر ، وقال له ، بصوت أجش من فعل الشرابوالسهر ، أنه يحب الساره ( إحدى الجواري ) ويريد أن يتزوجها ، اسودت الدنيا في وجهالرجل وفقد صوابه ، ابنه الوحيد سكران ، فاسق ، يقول له ، وهو على مصلاته ، أنه " يحب " - الكلمة التي تثير في عقول الآباء في البلد كل معاني البطالة والخمول وعدمالرجولة - وأنه يريد أن يتزوج جارية ماجنة فارغة العين ... قام الأب وهو بين الحياةوالموت . وحلف الأب أن الولد الفاسق - هكذا قال - لا يبيت ليلة واحدة تحت سقف بيته، وأنه ليس ابنه وأنه براء منه . قضى سيف الدين ليلته في بيت خاله ، وفي الصباحاختفى . وعاش البدوي الصائغ بقية حياته مثل رجل به عاهة . كان الألم يحز في قلبه ،ووجهه معروق كوجوه المرضى بالسل ، كان يقول أن ابنه مات ، وكان أحيانا إذا خانهلسانه وذكر ابنه ، يذكره كأنه مات بالفعل. | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:14 am | |
| وكانت تترى على البلد أخبارمريعة عن سيف الدين ، كيف أنه سجن في الخرطوم بتهمة السرقة وكيف أنه اتهم مرة بقتلرجل في بور سودان وكاد يشنق لولا أنهم وجدوا القاتل الفعلي في النهاية وكيف أنهيعيش " صائعا " سفيها فاسقا مع العاهرات في كل مدينة يحل فيها . يقولون مرة أنهيعمل حمالا يحمل بالات القطن على ظهره في الميناء . ومرة يقولون أنه يعمل سواقالسيارة شاحنة بين الفاشر والأبيض وأحيانا يقولون أنه يزرع القطن في طوكر ، وحاولأعمامه وأخواله إقناع أبيه بأن يكتب وصية يترك فيها ثروته كلها لزوجته وبناته . كلالرجال العقلاء في البلد أمّنوا أيضا على صواب هذا الرأي لكن الأب كان يتهرب دائماويتعلل بأنه سيفعل ذلك حين يدنو أجله ، وأنه ما زال قويا لا حاجة به إلى كتابة وصية . لكن الرجال العقلاء كانوا في مجالسهم يهزون رؤوسهم حسرة ، ويقولون أن البدوي مازال يأمل أن ابنه سيعود إلى صوابه . شيء ما : لم يفهمه أهل البلد ، منع الرجل مناتخاذ الخطوة الحاسمة : حرمان ابنه من الميراث . وفي ليلة من ليالي شهررمضان ، مات البدوي على مصلاته بعد أن صلى التراويح . كان رجلا طيبا فمات ميتة كلالرجال الطيبين : في شهر رمضان ، في الثلث الأخير منه ، وهو الثلث الأكثر بركة ،على مصلاته ، بعد أن صلى التراويح ، وهز أهل البلد رؤوسهم وقالوا " يرحم اللهالبدوي . كان رجلا طيبا . كان يستاهل أبناء خيرا من ابنه الفاسق ذاك " . وذات يوم . والناس ما زالوا على ( فراش البكاء ) وقد فرغوا لتوهم من إقامة ( الصدقة ) دخلعليهم سيف الدين . كان يحمل في يده عصا غليظة من النوع الذي يستعمل في شرق السودان، ولم يكن معه متاع على الإطلاق . كان شعره منفوشا كأنه شجيرة سيال ، ولحيته كثةمتسخة ووجهه وجه رجل عاد من الجحيم ، لم يسلم على أحد ، وتجنبته كل العيون ، لكنعمه الأكبر قام وبصق على وجهه ، ولما وصل النبأ بقدومه إلى أمه في الجناح الآخر منالبيت وهي وسط الحريم على ( فراش البكاء ) وولولت من جديد كأن زوجها مات لتوه . وولولت أخوات سيف الدين ، وعماته وخالاته وفار جناح الحريم في البيت وماج . إلا أنالعم قام إليهن وانتهرهن فسكتن . كل هذا لم يمنع سيف الدين أن يضع يده علىأموال أبيه ، كل ما استطاع عمله أعماله وأخواله أنهم خلصوا نصيب أمه وأخواته ، وبقيلب الثروة في يده . هنا أيضا تبدأ حياة العذاب لموسى صديق الزين - موسى الأعرج - كما يسميه أهل البلد . طرده سيف الدين بحجة أنه لم يعد رقيقا . وأنه ليس مسؤولا عنه . وعاش سيف الدين بعد هذا حياة مستهترة . زاد في استهتارها توفر المال في يده . كانفي سفر متواصل ، ومرة في الشرق ومرة في الغرب ، يقضي شهرا في الخرطوم وشهرا فيالقاهرة وشهرا في أسمرا ، ولا يجيء البلد إلا لبيع أرضا أو يتخلص من ثمر ، كان نوعامن الناس لم يعرفه أهل البلد في حياتهم ، يجافونه كما يجافي المريض بالجذام . حتىأقرب الناس إليه . أعمامه وأخواله لم يكونوا يأمنونه في بيوتهم ، فسدوا الباب فيوجهه مخافة أن يفسد أبناءهم أو يفسق ببناتهم ، وفي إحدى زياراته المتقطعة للبلد وجدعرس أخته - فإن أهله كانوا يتجنبون حضوره لأفراحهم ولم يكن هو بطبعه يحضر مأتما . وكاد ذلك العرس ينقلب بسببه إلى مأساة . أولاً حادثة الزين . جاء الزين كعادته فيمرحه وهذره ولم يكن أحد يأبه له . لكن سيف الدين لم يعجبه ذلك فضربه بفاس على رأسهوكادت المسألة تنتهي بالسجن . لولا تدخل العقلاء من أهل البلد الذين قالوا أن سيفالدين لا يستحق الوقت الذي ينفقونه عليه في المحاكم. ثانيا : كاد العريس يغير رأيهفي آخر لحظة لأنه تشاجرمع سيف الدين أخي العروس ومرة أخرى تجمع العقلاء منأهل البلد ، بما فيهم أبو العريس ، وقالوا إن سيف الدين ليس منهم ، وأن حضوره العرسشر لا يستطيعون رده . ثالثاً : في الأسبوع الأخير في حفل الزواج انهمر على الدارعشرات من الناس الغرباء الذين لم يرهم أحد من قبل . نساء ماجنات ورجال زائغوالنظرات وصعاليك ، وسفهاء جاؤوا من حيث لا يدري أحد . كلهم أصدقاء سيف الدين دعاهملحفل زواج أخته . وهنا لم يجد أهل البلد بداً من القيام بعمل . قبل أن يستقر هؤلاءالضيوف في جلساتهم إذا بصف من رجال البلد يتقدمهم أحمد إسماعيل . ثم محجوب ، ثم عبدالحفيظ فالطاهر الرواسي ، فحمد ود الريس ، وأعمام سيف الدين وأخواله ، نحو منثلاثين رجلا في أيديهم عصي غليظة وفؤوس ، أغلقوا الأبواب عليهم وأشبعوهم ضربا . وأكثر من ضربوا منهم سيف الدين . ثم ألقوا بهم في الطريق . وبينما البلد بأسرها تضجمن ذلك البلاء الذي اسمه سيف الدين ، إذا به فجأة بعد ( حادث الحنين ) يتغير كأنهولد من جديد . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:15 am | |
| لم يصدق الناس عيونهم بادئالأمر ، ولكن سيف الدين أخذ كل يوم يأتي بجديد . سمعوا أولا أنه ذهب من صباحه إلىأمه وقبل رأسها وبكى طويلا بين يديها . وما كادوا يستجمعون أنفاسهم حتى سمعوا أنهجمع أعمامه وأخواله وأنه تاب واستغفر أمامهم . وأنه تأكيدا لتوبته أخرج ما تبقى منثروة أبيه من ذمته ، وجعل عمه الأكبر وصيا عليها حتى يصير هو صالحا تماما لمباشرةمسؤوليته . كاد أهل البلد يعودون آذانهم على ذلك ، حتى رأوا لعجبهم سيف الدين يدخلالمسجد لصلاة الجمعة ، كان حليق اللحية ، مهذب الشارب ، ونظيف الثياب ، ويقول الذينحضروا الصلاة أنه لما سمع خطبة الإمام ، وكان موضوعها البر بالوالدين ، أجهش طويلابالبكاء حتى أغمي عليه ، وتجمهر حوله الناس يطيبون خاطره ، ولما خرج من المسجد ،ذهب من فوره إلى موسى الأعرج وقال له أنه أخطأ في حقه وطلب صفحة وقال له أنه سيبرهكما بره أبوه . وعاشت البلد شهرا أو قرابة شهر وهي تلهث كل يوم من عمل جديد قام بهسيف الدين عزوفه عن الخمر ، ابتعاده عن أصدقاء السوء ، مواظبته على الصلاة انصرافهإلى إصلاح ما فسد من تجارة أبيه بره بأمه . خطوبته لبنت عمه . وأخيرا عزمه علىتأدية فريضة الحج ذلك العام ، وكان عبد الحفيظ ، وكان من أكثر الناس إيمانا بمعجزةالحنين ، كما تجلت في سيف الدين ، كلما سمع نبأ جديدا يسرع به إلى محجوب . وكانمعروفا بجفائه لأهل الدين والنساك منهم بوجه خالص ( معجزة يا زول ، ما في اثنينثلاثة ) ، ويصمت محجوب وهو يحس في جوفه بذلك القلق الغامض الذي يساوره إزاء هذهالحالات ( سيف الدين عزم على الحج تصدق بالله يا زول ؟ تآمن وألا ما تآمن ؟ معجزةيا زول دون أدنى شك ) كان محجوب يقول لعبد الحفيظ لما بدأت القصة أن سيف الدين شبعمن السفاهة ، أو على قوله ( وصل السفاهة حدها ) ، وكان لا بد أن يتغير في يوم منالأيام ، لكنه وهو يسمع كل يوم شيئا جديدا مذهلا لم يعد قادرا حتى على الجدال ،فلاذ بالصمت . كانت معجزة سيف الدين بداية لأشياء غريبة تواردت على البلدفي ذلك العام . ولم يعد ثمة شك في ذهن أحد ، حتى محجوب ، وهم يرون المعجزة تلوالمعجزة أن مرد ذلك كله أن الحنين قال لأولئك الرجال الثمانية أمام متجر سعيد ذاتليلة : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) كان الوقت قبيل صلاة العشاءبقليل ، وهو وقت يستجاب فيه الدعاء ، خاصة من أولياء الله الصالحين أمثال الحنينكانت البلد هادئة ساكنة ، إلا من ريح خفيفة منعشة تلعب بجريد النخيل , إنهم جميعا . الرجال الثمانية الذين شهدوا الحادث وبقية الناس في بيوتهم وحقولهم ، يذكرون تلكالليلة بوضوح كأنها كانت ليلة البارحة وكان الظلام المخملي الكثيف يريض على أركانالبلد ، عدا أضواء مصابيح خافته تسربت من نوافذ البيوت ، والضوء الساطع من المصباحالكبير في متجر سعيد . كان الوقت وقت تحول الفصول ، من الصيف إلى الخريف . يذكرسعيد صاحب الدكان أن الليلة لم تكن قائظة كسابقتها وأنه لم يكن رطب الوجه من العرقوهو يزن سكرا لسيف الدين ، وأنه لما ( وقعت الوقعة ) كما يسميها ، وترك ميزانه وخرجمن دكانه ليحول بين الزين وسيف الدين ، يذكر أن نسيما باردا هب على وجهه ! ويذكرالناس الذين لم يسعدهم الحظ بحضور الحادث لأنهم كانوا يتهيأون لصلاة العشاء فيالمسجد ، أن الإمام تلا في تلك الليلة ، حين صلى بهم جزءا من سورة مريم ، وحاجإبراهيم ، عم الزين ووالد نعمة ، وهو رجل مشهود له بالصدق ، يذكر تماما أن الإمامقرأ الآية وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ويصف حمد ود الريس ، وهومشهور في البلد بسعة الخيال والجنوح إلى المبالغة ، بأن نجما له ذنب سطح تلك الليلةفي الأفق الغربي فوقالمقابر ، لكن أحدا غيره لا يذكر نجما له ذنب سطح في تلكالليلة ، على أي حال ، لا شك في أن الحنين ، ذلك الرجل الصالح ، قال على مسمع منثمانية رجال ، في تلك الليلة المباركة بين الصيف والخريف ، قبيل صلاة العشاء بقليل : ( ربنا يبارك فيكم ربنا يجعل البركة فيكم ) وكأنما قوي خارقة في السماء قالت بصوتواحدا : ( آمين ) . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:17 am | |
| بعد ذلك توالت الخوارق معجزةتلو معجزة . بشكل يأخذ باللب . لم تر البلد في حياتها عاما رخيا مباركا مثل ( عامالحنين ) عام أخذوا يسمونه صحيح أن أسعار القطن ارتفعت ارتفاعا منقطع النظير في ذلكالعام وإن الحكومة لأول مرة في التاريخ سمحت لهم بزراعته بعد أن كان ذلك وقفا علىمناطق معينة في القطر ( محجوب وحده ، وباعتراف منه ربح أكثر من ألف جنيه من قطنه ) ، وصحيح أيضا أن الحكومة لغير ما سبب أو لسبب خفي لا يعلمونه ، بنت معسكرا كبيراللجيش في الصحراء على بعد ميلين من بلدهم ، والجنود يأكلون ويشربون ، فانتعشت البلدمن توريد الخضروات واللحوم والفواكه واللبن للجيش حتى أسعار التمر ارتفعت ارتفاعاليس له نظير في ذلك العام ، وصحيح أيضا أن الحكومة هذا المخلوق الذي يشبهونه فينوادرهم بالحمار الحرون ، قررت لغير ما سبب ظاهر أيضا أن تبني في بلدتهم - دون سائربلدان الجزء الشممالي من القطر وهم قوم لا حول لهم ولا طول ، ولا نفوذ ولا صوتيتحدث باسمهم في محافل الحكام - قررت الحكومة أن تبني في بلدهم ، دفعة واحدة مستشفىكبيرا يتسع لخمسمائة مريض ، ومدرسة ثانوية ومدرسة للزراعة ومرة أخرى عادت الفائدةعلى البلد ، في الأيدي العاملة ومواد البناء وتوريد الغذاء ناهيك بأن مرضاهمسيضمنون العلاج وإن إبناءهم سينالون حقهم من التعليم ، وإذا كانت كل هذه الأدلة لاتكفي ، فكيف تفسر بأن الحكومة هذا ( الحمار الحرون ) في اعتقادهم ، قررت أيضا فيالعام ذاته ولم يمض على وفاة الحنين أكثر من شهرين أن تنظم أراضيهم كلها في مشروعزراععليه الحكومة نفسها بما لها من قوة وسلطان ؟ وجدوا بلدهم فجأة تعج بالمساحينوالمهندسين والمفتشين والحكومة إذا عزمت على أمر فإنها قادرة على تنفيذه فما هو إلايوم في أثر يوم وشهر يعقبه شهر ، حتى قام على ضفة النيل في بلدهم بناء شامخ منالطوب الأحمر مثل المعبد يلقي ظلاله على النيل ، وبعد ذلك بقليل ، بين لغط العاملينوقرقعة الحديد إذا بعجلات ذلك المارد تدور ، وإذا بمصاصاته تشفط من ماء النيل ، كمايشفط الرجل الشاي ، في لمح البصر ، كميات لا تقوي عليها عشرات من سواقيهم في عشراتالأيام ، وإذا بالأرض على اتساعها من ضفة النيل إلى طرف الصحراء يغمرها الماء بعضهاأراض لم تر الماء منذ أقدم السنين. وإذا بها تموج بالحياة ، كيف تفسر هذا ؟ عبدالحفيظ يعلم السر ، فهو يقول لمحجوب ، وهو يجمع بين عينيه الحقل الواسع الذي هوحقله والريح تلعب بالقمح فتثني صفوفه فكأنه حوريات رشيقة تجفف شعرها في الهواء ( معجزة يا زول . ما في أدني شك ) .
*** جلس الطريفي خلسة فيمقعده بعد أن حدث الناظر بخبر عرس الزين ، جلس خلسة على طرف مؤخرته كأنه يتهيأللهروب في أية لحظة ، فقد كان في سمته وطبعه شيء من سمت الضبع وطبعه . ونظر حولهبعينيه الماكرتين ، وهمس في أذن جاره من اليمين : ( نجينا الليلة من الجغرافيا ،أشارطك الناظر ما يتم الحصة ) . وكما تنبأ الطريفي أعلن الناظر في صوت فاتر غيرمكترث أنه خارج لأمر عاجل : ( راجعوا الدرس بتاع منطقة زراعة القمح في كندا ) ،وخرج في خطوات متوترة ، وراقبه الطريفي ، وهو يحاول ألا يهرول حتى وصل باب فناءالمدرسة ، وضحك الطريفي بخبث حين رأى الناظر يمسك بذيل عباءته في يده ، ويهرول مكباعلى وجهه في الرمل . ووصل الناظر إلى دكان شيخ علي في السوق ، لاهث النفس ،جاف الحلق ، إذ أن المدرسة لم تكن قريبة كل القرب من السوق وبينها وبينه رمل تغوصفيه القدم ، والناظر قد جاوز الخمسين ، كان دكان شيخ علي في السوق مقره المفضل . سرلما رأي عبد الصمد أيضا فقد كانت بينه وبينه صداقة مريرة ، لا يطيب له المجلس أولعب الطاولةبدونه . وكان بينه وبين المتجر مقدار عشرة أمتار لكنه لم يطق صبرا . فبدأ يتحدث وهو مقبل عليهما : ( شيخ علي ، حاج عبد الصمد ، السنة دي سنة العجايب داكلام أيه دا ؟ ) وأوصلته الجملة عندهم ، فأجلسوه على مقعده المفضل ، مقعد وطيء منخشب وجبال عليه مسند وله متكآت على جانبيه : وكانت القهوة ما تزال ساخنة ،تفوح منها رائحة القرفة والحبهان والجنزبيل ، أمسك بالفنجان وقربه إلى فمه ، لكنهلم يلبث أن رده وقال : ( الخبر دا صحيح ؟ ) . وضحك عبد الصمد وقال للناظر : ( كدى أشرب القهوة قبل تبرد . الكلام صحيح ) . وقال الشيخ علي وهو يحركالتبغ الممضوغ من الجانب الأيمن إلى الجانب الأيسر في فمه ( حكاية عرس الزين موكدي؟ صحيح وأبوه صحيح كمان ) .وشفط الناظر شفطة كبيرة من الفنجان ، ثم وضعه على منضدة صغيرة أمامه وأشعل لنفسه سيجارة شد منها نفسا عميقا ( يا رجل دي سنة غريبة جدا ، وألا أنا غلطان ؟ ) لم يكن الناظر يستعمل عبارة ( زول ) أي ( شخص ) كبقية أهل البلد ، بل كان يقول ( رجل ) في بداية جملة . وقال عبد الصمد : ( كلامك صحيح جناب الناظر ، سنة عجيبة فعلا النسوان القنعن من الولادة ولدن ، البقر والغنم جابت الاثنين والثلاثة ) . وواصل حاج علي تعداد المعجزات التي حدثت ذلك العام : ( تمر النخيل كثير لا من غلبنا من الشولات النشيلة فيها الثلج نزل . دا كلام ! الثلج في ذلك العام شيئا حيرهم جميعا . ولم يستطع الناظر مع طول باعه في علم الجغرافيا أن يجد له تعليلا ، وقال الناظر : ( لكين المعجزة الكبرى موضوع زواج الزين ) -هذه كانت عادته ، يزج الكلمات الفصحى في حديثه .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:18 am | |
| وقال شيخ علي : ( الواحد ما يكاد يصدق ) كان الناظر يعديه هو وعبدالصمد بكلماته الفصحى ، فيحاولان مجاراته . وقال عبد الصمد : ( كلام الحنينما وقع البحر ، قال له باكر تعرس أحسن بت في البلد ) . وقال الناظر : ( أينعم والله . أحسن بنت في البلد إطلاقا ، أي جمال ! أي أدب ! حشمة !). وقالعبد الصمد مستفزا : ( أي فلوس ! أنا عارفك كت خات عينك عليها عشان مال أبوها ) واحتد الناظر وهو يرد التهمة عن نفسه : ( أنا خاف الله يا رجل هذه في عمر بناتي ) . وقال شيخ علي يسري عنه : ( عمر بناتك ايه يا شيخ ؟ الراجل راجل حتى في أرزلالعمر ، والبنت من سن أربعتاشر قابلة للزواج من أي راجل ولو كان زي جنابك في الستين ) . ( خاف الله يا رجل ، أنا في الخمسين ، أصغر منك ومن عبد الصمد قطع شك ) . وقهقهة عبد الصمد قهقته المشهور من جوف صدره وقال : ( طيب بلاش موضوعالعمر ، أيه رأيك في حكاية عرس الزين ؟ ) وقال الناظر : يا رجل دا موضوعمدهش . ازي حاج إبراهيم يقبل ؟ الزين رجل درويش ماله ومال الزواج ؟ ) . وأضاف شيخ علي أيضاً : ( رحمة الله عليه . جاب لنا الخير في البلد ) . وقالعبد الصمد : ( وكله عشان خاطر الزين ) . وقال الناظر : ( يا رجل ما دخلنافي موضوع الكرامات ؟ لكن برضه ... ) وقاطعه شيخ علي : ( مهما يكون ، الراجلراجل والمره مره ) . وأضاف عبد الصمد : ( والبت بت عمه على كل حال ) . صمت الناظر ، فإنه لم يجد ما يرد به على كلامهما - من الناحية الشكلية علىالأقل : فكون بنت العم لابن العم حجة ليس بعدها حجة في عرف أهل البلد ، أنه تقليدقديم عندهم ، في قدم غريزة الحياة نفسها ، غريزة البقاء وحفظ النوع . لكنه في قرارةنفسه كان مثل آمنة . يحس بلطمة شخصية موجهة له ، وأحس برهة بارتياح : أن علي وعبدالصمد لا يعلمان بأنه فاتح حاج إبراهيم في أمر نعمة لو علما إذا لما استطاع أن ينجومن لسانيهما السليطين . وسأل نفسه وهو يشرب الفنجان الخامس من قهوة شيخ علي ، لماذاطلب يدها ؟ فتاة صغيرة في سن بناته . أنه لا يدري تماما . لكنه رآها ذات يوم خارجهمن الدار ، ترتدي ثوبا أبيض . صادفها وجها لوجه . راعه جمالها سلم عليها بصوت مرتعشفردت سلامة بصوت هادئ رزين . قال له : ( أنت نعمة بنت حاج إبراهيم ؟ ) فقالت دونتردد أو وجل : ( نعم ) وبسرعة بحث في ذهنه عن سؤال آخر يستبطئها به قبل أن تذهب فلميجد خيرا : ( أخوك أحمد كيف حاله ؟ ) - كان هذا أخاها الأصغر الذي كان من تلاميذه . فقالت له ووجهها الجريء قبالة وجهه : ( طيب ) ثم ذهبت ... وعاش الناظر بعد ذلكليالي وصورتها لا تفارق ذهنه . لعلها أيقظت في قلبه إحساسا دفينا . لم يذكره منذعشرين عاما . وأخيرالم يقو على الصبر فانتهز وعكة خفيفة ألمت بأبيها فذهب إليهبحجة عيادته . وجده وحده لحسن حظه ، وبعد حديث سطحي عن أسعار القمح وحال المدرسة ،دخل الناظر في الموضوع ، وبسرعة طلب يد نعمة من أبيها ، لم يفهم حاج إبراهيم شيئاأول الأمر ، أو لعله تغابى فاستوضح الناظر في جملة أو جملتين حزنا في نفسه قال لهأولا : ( داير نعمة لي منو ؟ ) فقال الناظر بشيء من العجرفة : ( لي منو ؟ أنا طبعا ) . وكأنما حاج إبراهيم غرس خنجرا ثم ضغط على مقبضه ليثبته أكثر في قلبه حين قال له : ( ليك أنت ؟ ) خلاصة القول أن زيارته كانت خطأ فادحا . وحاول حاج إبراهيم أن يخففعنه الوقع فألقى خطبة طويلة عن الشرف الذي أسبغه عليه الناظر بطلبه وأنه خير صهر لهوو ... لكن ، وهذا هو المهم ، لكن الفرق بين سنة وسن البنت يجعله لا يستطيع أن يقبل، فهو بهذا لا يرضي ضميره ، ثم أن أخوانها سيعترضون ، وأخيرا حاول الناظر ملافاةالضرر ، فاستحلف حاج إبراهيم إلا يذكر شيئا مما دار بينهما لمخلوق ، وأن يعتبرالأمر كأن لم يكن . ( نحفر حفرة وندفنه في محله دا).وكان حاج إبراهيم عند حسن ظنه . لكن الناظر في قراره نفسه ، على الرغم من اقتناعه بخطئة ، لم يستطع أن يتخلص من الطعم المر في حلقه ، ولما سمع بأنها ستزف للزين دون سائر الناس أحس ، الخنجر ينغرس أكثر في قلبه ، وذعر الناظر قليلا حين سمع عبد الصمد يقول له : ( جنابك ما تزعل أبدا ، إذا كنت عاوز تعرس . البلد مليانة نسوان عزبات ، المطلقة والراجلها مات أجمل نسوان علي باليمين ) .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:19 am | |
| وهنا ثار الناظر فعلا . انصب حنقه الداخلي كله على عبد الصمد : ( يا رجل أنت مجنون ؟ أنت ما تعرف تفرق بين الجد والهزار ؟ ما أنت راجل اونطة صحيح ! ) . وقهقهة عبد الصمد بلذة عميقة ، فقد نجح في استثارة الناظر ، أنه يتصيد هذه الفرص ، لعل الذي آلمه في الموضوع ذكر النساء الثيبات ! وقال شيخ علي يزيد النار اشتعالا : ( يعني جناب الناظر لما يحب يتزوج فوق أم أولاده . يتزوج نسوان سكندهاند ؟ أما فعلا يا حاج عبد الصمد أنت راجل اونطة صحيح ) . وتمسك عبد الصمد بكلمة ( سكندهاند ) يغيظ بها علي هذه المرة : ( قت شنو آشيخ علي ؟ سكن دهان ؟ والله عجايب ! عشنا وشفنا علي ود الشايب يتكلم الأفرنجي ) . وضحك الناظر بإفراط محاولا قدر المستطاع تحويل الهجوم عن شخصه إلى شخص شيخ علي ، لكن شيخ علي كان عليما بنزوات عبد الصمد وحركات الناظر فتجاهل هجوم عبد الصمد وعاد بالحديث إلى موضوع زواج الزين : ( المهم زي ما قلنا العرس مو قاسي . والراجل راجل وأن كان بي رياله والمره مره وأن كانت شجرة الدر ) . تعجب الناظر في سره كيف عرف شيخ علي اسم شجرة الدر . ووقع الاسم موقعا حسنا على أذن عبد الصمد وكان جاهلا به لكنه تحرج من السؤال مخافة أن يفضح جهله . ومضى شيخ علي يعدد لهما أسماء الرجال الذين لم يكن لهم شأن يذكر ومع ذلك تزوجوا نساء بارعات الذكاء مفرطات الحسن . استحوذ على اهتمام خصميه مدة غير قليلة من الزمن . وغمرته السعادة وهو يرى الدهشة والإعجاب يبدوان على وجهيهما . ذكرهما بقصة كثير الذي أحبته عزة على قصره وبشاعة هيئته . وقصة الأعرابية التي سألوها كيف تزوجت رجلا جلفا قميئا فقالت لهم ( والله لو .. إلخ ) وكاد الناظر وعبد الصمد يستلقيان على ظهريهما من الضحك حين سمعا ما قالته الأعرابية . ثم أشار إلى قبيلة الإبراهيمات الذين انحدروا جميعا من صلب رجل درويش يدعى إبراهيم أبو جبة ، وكيف أنه .. لكن عبد الصمد ضاق ذرعا بطلاوة لسان شيخ علي ، فقاطعه بشيء من الحدة قائلا : ( أنت رايح بعيد ليه لي كثير عزة وقبيلة الأبراهيمات ؟ عند سعيد البوم .. ماك طاري حكاية عرسه ؟ ) ابتسم الناظر ، فقد كان بينه وبين سعيد البوم مدة خاصة ، أم لعله كان يستغل سعيد في جلب الحطب والماء لبيته ؟ وكان سعيد يبيع حطب الوقود ويخدم في البيوت ، ويدخر ماله عند الناظر ، ولما أراد الزواج جاء إلى الناظر واستشاره ، وتباهى بعد ذلك أن الناظر في جلالة قدره شهد عقد زواجه . كل أحد في البلد يعرف قصة زواج سعيد ، وأنه عاش مع زوجته قريبا من الحلول لا يمسها وكادت تيأس وتطلقه وكان سعيد يقول إذا سألوه عن سبب إبطائه : ( التررن بالمهلة ) . لكنه فيما بعد على أي حال أولدها أولاد وبنات . وفجأة لمح الناظر في خياله وجه نعمة ، ومرة أخرى أحس بالخنجر يتحرك في قلبه ، فقال وكأنه لم يسمع كل القصص التي قصها عليه شيخ علي وحاج عبد الصمد : ( لكين تتزوج الزين ؟ دا اسمه كلام يا رجل ؟ والله عجايب ! ) تأثر أمام المسجد أيضا بالحوداث العجيبة التي شهدتها القرية ذلك العام . كان رجلا ملحاحا متزمتا كثير الكلام ، في رأي أهل البلد . كانوا في دخيلتهم يحتقرونه ، لأنه كان الوحيد بينهم الذي لا يعمل عملا واضحا - في زعمهم . لم يكن له حقل يزرعه ولا تجارة يهتم بها ولكنه كان يعيش من تعليم الصبيان له في كل بيت ضريبة مفروضة ، يدفعها الناس عن غير طيب خاطر ، وكان يرتبط في أذهانهم بأمور يحلو لهم أحيانا أن ينسوها : الموت والآخرة والصلاة فعلق على شخصه في أذهانهم شيء قديم كئيب مثل نسيج العنكبوت ، إذا ذكر اسمه خطر على بالهم تلقائيا موت عزيز لديهم ، أو تذكروا صلاة الفجر في عز الشتاء ، وما يرتبط بذلك من وضوء بالماء البارد يشقق الرجلين ، | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:20 am | |
| وخروج من الفراش الدافئ إلى لفح الصقيع وسير فيغبش الفجر إلى المسجد . هذا إذا كان الواحد منهم يذهب بالفعل إلى الصلاة . أما إذاكان مثل محجوب ، وعبد الحفيظ ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي ، وحمد ود الريس ،من النفر " العصاة " الذين لا يصلون ، فإنه يحس كل صباح بإحساس غامض يثير القلق ،من نوع الإحساس الذي يحسه الواحد منهم إذا نظر خلسة إلى امرأة جاره ، ويقول لكمحجوب إذا سألته عن إمام المسجد أنه " راجل صعب . لا يأخذ ولا يدي " معنى ذلك أنهلميكن يسايرهم أو يخوض معهم في أحاديثهم - لم يكن يعنيه ، كما يعنيهم ،أوان زراعه القمح وسبل ريه وسماده وقطعه أو حصاده . لم يكن يهمه هل موسم الذرة فيحقل عبد الحفيظ نجح أم فسد ، وهل البطيخ في حقل ود الريس كبر أم صغر ؟ كم سعر أردبالفول في السوق ؟ هل هبط سعر البصل ؟ لماذا تأخر لقاح النخل ؟ كانت تلك أمور ينفرمنه بطبعه ويحتقرها بسبب جهله بها . ومن ناحية أخرى ، كان هو يهتم بأمور لا يأبهلها إلا القليلون من البلد . كان يتتبع الأخبار من الإذاعة والصحف ويحب أن يناقش هلستقوم الحرب أم لا ؟ هل الروس أقوى أم الأمريكان ؟ ماذا قال نهرو وماذا قال تيتو ؟وكان أهل البلد مشغولين بجزئيات الحياة ، لا تعنيهم عمومياتها . وهكذا نشأت الهوةبينه وبينهم لكنهم إن لم يحبوه ، فقد كانوا يعترفون بحاجتهم إليه . يعترفون مثلابعلمه ، فقد قضى عشر سنوات في الأزهر ، يقول الواحد منهم : " الإمام ما عنده شغلة " . ثم يضيف : " لكن الحق لسانه فصيح كلام " كان يلهب ظهورهم في خطبه . وكأنه ينتقملنفسه منهم . بكلام متدفق فصيح عن الحساب والعقاب ، والجنة والنار ، ومعصية اللهوالتوبة إليه ، كلام ينزل في حلوقهم كالسم . يخرج الرجل من المسجد بعد صلاة الجمعةزائغ العينين ويحس وهلة كأن سير الحياة قد توقف ينظر إلى حقله بما فيه من نخل وزرعوشجر ، فلا يحس بأي غبطة في نفسه . يحس أنها جميعا عرض زائل ، وأن الحياة التييحياها بما فيها من فرح وحزن ، ما هي إلا جسر إلى عالم آخر . ويقف برهة يسأل نفسهماذا أعد لذلك العالم الآخر ؟ لكن جزئيات الحياة ما تلبث أن تشغل فكره : وسريعاأسرع مما كان يتوقع تغيب صورة العالم الآخر البعيد ، وتأخذ الأشياء أوضاعهاالطبيعية . وينظر إلى حقله فيحس مرة أخرى بذلك الفرح القديم الذي يعطيه مبرراتوجوده . ومع ذلك فأكثرهم يعودون إليه في كل مرة ليجربوا نفس الصراع الغامض . يعودونإليه لأن صوته قوي واضح وهو يخطب . عذب رخيم وهو يرتل القرآن ، مهيب حين يصلي علىالأموات ، حازم عليم ببواطن الأمور وهو يقوم بعقود الزواج . وكانت في عينيه نظرةاحتقار وترفع يحس الواحد منهم وقعها حين يفقد ثقته بنفسه ، كان مثل الضريح الكبيروسط المقبرة . وكانت البلد منقسمة إلى معسكرات واضحة المعالم إزاء الإمام ( لم يكونوا أبدا ينادونه باسمه ، فكأنه في أذهانهم ليس شخصا بل مؤسسة ) . معسكر أغلبه من الرجال الكبار العقلاء يتزعمه حاج إبراهيم . أبو نعمة ، يعامل الإمام معاملة ود يشوبه تحفظ هؤلاء كانوا يحضرون كل الصلوات في المسجد ويبدو على وجوههم على الأقل أنهم يفهمون ما يقول . يدعونه إلى الغداء كل يوم جمعة بعد الصلاة كل واحد منهم يدعوه يوما بالتناوب . كانوا يدفعونه إليه بصدقة الفطر في عيد رمضان ، ويعطونه جلود الذبائح في عيد الأضحى إذا تزوج أحد أبنائهم أو بناتهم ، أعطوه حقه نقدا ومعه رداء أو ثوب . شذ عن هذا الفريق رجل في السبعين اسمه إبراهيم ود طه . لا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يعترف بوجود الإمام والفريق الثاني . وأغلبه من الشبان دون العشرين يعادي إمام المسجد عداءا سافرا . بعضهم تلاميذ في المدارس . وبعضهم سافر وعاد، وبعضهم يحس على أي حال بفيض الحياة حارا قويا في دمه فلا يحفل برجل صناعته تذكير الناس بالموت . هذا كان فريق المغامرين - منهم من يشرب الخمر سرا ويلم خفية بالواحة في طرف الصحراء - . وفريق المتعلمين الذين قرأوا أو سمعوا بالمادية الجدلية ، وفريق المتمردين ، وفريق الكسالى الذين يصعب عليهم الوضوء في الفجر في عز الشتاء . ومن عجب أن زعيم هذه الفئة كان إبراهيم ود طه ، الرجل الذي جاوز السبعين ، لكنه كان يقرض الشعر ، والفريق الثالث ، وقد كان أكثر المعسكرات وزنا فريق محجوب وعبد الحفيظ والطاهر الرواسي وحمد ود الريس وأحمد إسماعيل وسعيد .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:21 am | |
| كانوا متقاربي الأعمار ، بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين ، إلا أحمد إسماعيل فقد كان في العشرين لكنه بحكم مسؤوليته وطريقة تفكيره كان واحدا منهم . هؤلاء كانوا الرجال أصحاب النفوذ الفعلي في البلد . كان لكل واحد منهم حقل يزرعه ، في الغالب أكبر من حقول بقية الناس ، وتجارة يخوض فيها . كان لكل واحد منهم زوجة وأولاد . كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر جليل يحل بالبلد . كل عرس هم القائمون عليه . كل مأتم هم الذين يرتبونه وينظمونه . يغسلون الميت فيما بينهم ويتناوبون حملة إلى المقبرة هم الذين يحفرون التربة ، ويجلبون الماء وينزلون الميت في قبره . ويهيلون عليه التراب ، ثم تجدهم بعد ذلك في ( الفراش ) يستقبلون المعزين ، ويديرون عليهم فناجين القهوة المرة ، إذا فاض النيل أو أنهم سيل فهم الذين يحفرون المجاري ، ويقيمون التروس ، ويطوفون على الحي ليلا وفي أيديهم المصابيح يتفقدون أحوال الناس ، ويحصرون التلف الذي أحدثه الفيضان أو السيل . إذا قيل أن امرأة أو بنتا نظرت نظرة فاجرة إلى أحد ، فهم الذين يكلمونها وأحيانا يضربونها ، لا يعنيهم بنت من تكون . إذا علموا أن غريبا حام حول الحي حول المغيب فهم الذين يوقفونه عند حده . إذا جاء العمدة لجمع العوائد فهم الذين يتصدون له ، ويقولون هذا كثير على فلان ، وهذا معقول وهذا غير معقول . إذا ألم بالبلد أحد رسل الحكومة ( وهم لا يأتون إلا لماما ) فهم الذين يستقبلونه ويضيفونه ، ويذبحون له الشاة أو الخروف ، وفي الصباح يناقشونه الحساب ، قبل أن يقابل أحدا من أهل البلد ، والآن وقد قامت في البلد مدارس ، ومستشفى ، ومشروع زراعي ، فهم المتعهدون . وهم المشرفون ، وهم اللجنة المسؤولة عن كل شيء كان الإمام لا يحبهم ولكنه كان يعلم أنه سجين في قبضتهم ، إذا أنهم هم الذين كانوا يدفعون له مرتبه آخر كل شهر ، يجمعونه من أهل الحي ، كل موظف حكومة يحل بالبلد ، وكل من له حاجة يريد أن يقضيها ، سرعان ما يكتشف هذا الفريق فلا تنجح له مهمة أو يتم له عمل إلا إذا تفاهم معهم . لكنهم كانوا ، ككل صاحب سلطان ونفوذ لا يظهرون نزعاتهم الشخصية ( إلا في مجالسهم الخاصة أمام متجر سعيد ) ، الإمام مثلا كانوا يعتبرونه شرا لا بد منه فيحبسون ألسنتهم عن ذمه ما استطاعوا ، ويقومون " بالواجب والمجاملة " كما يقول محجوب . لم يكونوا يصلون ، ولكن واحدا منهم على الأقل كان يحضر الصلاة مرة في الشهر ، إما الظهر أو العشاء في الغالب فالفجر لا طاقة لهم به - ويكون غرض الزيارة في الواقع شيئا غير الاستماع لعظة الإمام حينئذ يعطون الإمام مرتبه ويتفقدون بناء المسجد إذا كان يحتاج إلى إصلاح . وكان الزين فريقا قائما بذاته ، كان يقضي أعظم أوقاته مع شلة محجوب ، بل أنه كان في الواقع إحدى المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاقتهم كانوا يحرصون على إبعاده عن المشاكل ، وإذا وقع في ورطة أخرجوه منها ، كانوا يعلمون عنه أكثر مما تعلم أمه ، يشملونه بعنايتهم وترعاه عيونهم من بعيد . وكانوا يحبونه ويحبهم . لكن الزين في موضوع الإمام كان معسكرا قائما بذاته ، يعامله بفظاظة ، وإذا قابله قادما من بعيد ترك له الطريق ، ولعل الإمام كان الشخص الوحيد الذي يكرهه الزين ، كان مجرد وجوده في مجلس يكفي لإثارته . فيسب ويصرخ ويتعكر مزاجه ويتحمل الإمام في وقار هيجان الزين ، ويقول أحيانا أن الناس أفسدوه بمعاملتهم له كأنه شخص شاذ وإن كون الزين ولي صالح حديث خرافة ، وأنه لو ربي تربية حسنة لنشأ عاديا كبقية الناس ، لكن من يدري ، لعله هو الآخر أحس بقلب في صدره حين حدجه الزين بإحدى نظراته ، فكل أحد يعلم أن الزين أثير عند الحنين ، والحنين ولي صالح وهو لا يصادق أحدا إلا إذا أحس فيه قبسا من نور .
إلا أن الأمور اختلطت اختلاطا غير يسير في ( عام الحنين ) فإن ( خيانة ) سيف الدين ، أو ( توبته ) ( حسب المعسكر الذي أنت فيه ) ، أضعف فريقا وقوى فريقا . كان سيف الدين بطل الواحة وفارسها وزعيمها فلما تحول إلى معسكر الأتقياء العقلاء سرى الرعب في قلوب أصدقائه القدامى . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:22 am | |
| كان من ناحية وارثا . فكان هو الذي يدفع ثمنالشراب في غالب الأحيان . وكان ستارا مفيدا يختفون وراءه في مجونهم ، إذ كانت البلدمشغولة به عنهم ، وكان بعضهم يرى فيه رمزا حقيقا لروح الانطلاق والتمرد . وفجأةانهدت الأرض تحت أرجلهم ، ثم أن سيف الدين استغل معرفته بخباياهم ، فأصبح أخطر خصملهم . واشتد ساعد الإمام بسيف الدين . كانت الواحة دائما شغلة الشاغل ، وتقوم فينظره رمزا للفساد والشر ، ونادرا ما كانت تخلو خطبة من خطبه من ذكرها . والآن وقدعاد سيف الدين إلى جادة الصواب ، فقد زادت خطب الإمام قسوة ، وزادت حملته قوة ،وأصبح سيف الدين المثل الذي يضربه كل مرة على أن الخير ينتصر في النهاية . لم يحفلالإمام بأن الحنين ، وهو يمثل الجانب الخفي في عالم الروحانيات ( وهو جانب لا يعترفبه الإمام ) كان هو السبب المباشر في توبة سيف الدين . معكسر ( الوسط ) ، جماعةمحجوب لم يتأثر كثيرا ، فهم يعتبرون الواحة ، كالإمام سواء بسواء شرا لا بد منه ،ولم يكونوا يأبهون كثيرا إلى أن بعض شبان البلد يسكرون ، ما دام ذلك لا يؤثر علىسيرة الحياة الطبيعي ، لا يتدخلون إلا إذا سمعوا أن شابا سكرانا تهجم على أنثى أورجل من أهل الحي ، حينئذ يلجأون إلى أساليبهم الخاصة ، التي تختلف عن أساليب الإمام، وفي تأييدهم لبقية الناس ، في محاولة تهديم الواحة ، لم يكونوا ينظرون إلى عملهمكما ينظر له الإمام محاولة لتغليب الخير على الشر . لا بل لأن زوال الواحة سيغنيهمعن متاعب عملية ، لا حاجة لهم فيها . المهم أن الإمام فرح بسيف الدين فرحا عظيما ،أصبح يذكره في خطبه ، يتكلم وكأنه يتحدث إليه شخصيا ، تراه خارجا داخلا معه . وقالأحمد إسماعيل لمحجوب مرة وهو يرى سيف الدين والإمام يمشيان معا ذراعا في ذراع : ( ود البدوي من الخدم للإمام ) . وكان للإمام رأي في أمر زواج الزين من نعمة بنت الحاج إبراهيم . ودخل محجوب دكان سعيد ، ووضع قطعة نقد على الطاولة فأخذها سعيد في صمت وانزل من الرف علبة سجاير بحاري ، ووضعها في يد محجوب ومعها الباقي قطع معدنية صغيرة ، أشعل محجوب سيجارة شدة منها نفسين أو ثلاثة ثم رفع وجهه إلى السماء وتمعن عليها دون إحساس ، كأنه قطعة أرض رملية لا تصلح للزراعة ، وقال فتور : " الثريا طلعت . وقت زراعة المريق " وظل سعيد مشغولا بتفريغ علب من صناديق ووضعها على الرف بعد ذلك تحرك محجوب وجلس قبالة الدكان ، ليس على الكنبة ولكن على الرمل مكانهم المفضل ، حيث ضوء المصباح يمسهم بطرف لسانه . فإذا ماجوا في ضحكهم أحيانا تراقص الضوء والظل على رؤوسهم ، فكأنهم غرقى في بحر يغطسون ويطفون ، بعد ذلك جاء أحمد إسماعيل يجرجر رجلية كعادته ، واستلقى بظهره على الرمل قريبا من محجوب دون أن يقول شيئا ، ثم جاء عبد الحفيظ وحمد ود الريس ، وكانا يضحكان لم يسلما على صديقهما ، وهذان لم يسألاهما عن سر ضحكهما ذلك شيء آخر في تلك الفئة . كانوا يعلمون ، بطريقة ما ، ما يدور في ذهن كل منهم دون سؤال ، وقال محجوب بعد أن بصق على الأرض : " أنتو لسع في حكايات سعيد البوم " ؟ كان أحمد إسماعيل قد انقلب على بطنه فقال وكأنه يحدث الرمل " " لازم المره عاوزه تطلقه " . وقال عبد الحفيظ في مرح ، أن زوجة سعيد البوم جاءته في الحقل وقالت له وهي تبكي أنها تريد أن تطلق من سعيد . ولما سألها عن السبب قالت له أن سعيد كلمها كلاما قاسيا في الليلة الماضية وقال لها امرأة " جيفة " - هكذا لأنها لا تتعطر ولا تنزين كبقية النساء . ولما قارعته الكلام ، صفعها على وجهها وقال لها : " امشي اخدي دروس من بنات الناظر " . وكان الطاهر الرواسي قد وصل أثناء ذلك وجلس في هدوء في المكان والذي لا يصله النور من بقعة الرمل . ضحك وقال : " المسنوح يمكن قايل للناظر بيعرس له واحده من بناته " . وقال عبد الحفيظ أنه طيب خاطر المرأة ودورها إلى بيتها وقال لها أنه سيجيئهم ليكلم سعيد وفعلا غدا إليهما وقت الظهيرة . لكنه تريث عند باب الدار ، فقد وجده مغلقا ، وسمع داخله ضحكات سعيد وزوجته ، ضحكات هنيئة منشرحة ، وسمع سعيد يقول لزوجته ، وكأنه يعض أذنها : " ابكي يا خيتي ابكي " . وضحكوا كلهم : كل واحد منهم على طريقته : أحمد إسماعيل يكركر بضحك يزمجر بين بطنه وصدره . ومحجوب يضحك في فمه ويحدث طقطقة بلسانه ، وعبد الحفيظ يضحك كالطفل . وحمد ود الريس يضحك بجسمه كله ، وخاصة رجلية والطاهر الرواسي يمسك رأسه بجماع يديه حين يضحك ، وكان سعيد في دكانه ، فضحك ضحكته الخشنة التي تشبه صوت المنشار في الخشب ، وقال محجوب : " المسنوح كيفن قدر في الحردا ؟ " .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:23 am | |
| واستمر حديثهم هكذا حديث منقطع تتخلله فترات صمت . ولميكن صمتهم ثغرات في الحديث بقدر ما كان امتدادا له ، يقول أحدهم جملة مبتورة : " ... ما عنده فهم " ويقول الآخر : " ... الفاضي يعمل قاضي " . ويضيف الآخر : " ... زمان قلنا لكم طلعوه من اللجنة قلتولا " . ويقول الآخر : " ... بإذن الله دي آخرسنة ليه " . ولا يدري الغريب عنهم عمن يتكلمون . لكن ذلك شأنهم ، يتحدثون وكأنهميفكرون جهارا ، وكأن عقولهم تتحرك في تناسق ، وكأنهم بشكل أو بآخر عقل كبير واحديمضي الحديث رتيبا مثل هذا ، ثم يذكر أحدهم عرضا جميلة أو حادثة تثير خيالهم جميعافي وقت واحد ، وفجأة تسرى فيهم الحياة فكأنهم كومة قش أشعلت فيها النار ، يستويجالسا الذي كان راقدا على ظهره ، ويضم الآخر ذراعيه على ركبتيه ويقترب الذي كانجالسا بعيد إلا . ويخرج سعيد من دكانه ، يقتربون بعضهم من بعض حينئذ . كأنهميتحركون نحو تلك النقطة ، ذلك الشيء في الوسط الذي يسعون إليه جميعا يميل محجوب إلىالإمام ، وتنغرس يدا أحمد إسماعيل في الرمل ، ويضغط ود الريس بيديه على رقبته . هذههي اللحظة التي تلمحهم فيها ، بين النور والظلام ، وكأنهم غرقى في بحر ، وأحيانايحتدون في كلامهم ، يتشاجرون ، تخرج الكلمات من أفواههم كأنما قطع من الصخر ،تتقاطع جملهم ، يتحدثون في آن واحد ، ترتفع أصواتهم ، في مثل هذه الحالات يظنالغريب عنهم أنهم غلاظ الطبع ، لهذا تختلف الآراء عنهم ، حسب اللحظات التي يراهمفيها الناس ، بعض أهل البلد يعتبرونهم صامتين قليلي الكلام ، لأنهم يصادفونهم فيإحدى تلك الحالات ، حين يقف حديثهم عند " آ " و " أو " و " لا " و " نعم " . وبعضالناس يقولون عنهم أنهم " ضحاكون " كالأطفال ، لأنهم صادف أن وجدوهم في إحدى حالاتغرتهم ، ويحلف موسى البصير أنه زامل محجوب إلى السوق - مسافة ساعتين بالحمار - فلميقل له كلمة واحدة . كان الناس يبتعدون عن مجالسهم ، لأنهم حينئذ يحسون إحساسالغريب ، وكانوا هم يفضلون ألا يكون بينهم غريب ، كانوا كأنهم توائم ، ولكن إذاعاشرتهم مدة تدرك الاختلافات التي تجعل كلا منهم فردا قائما بذاته .
أحمدإسماعيل بحكم سنة ، كان أميلهم إلى المرح ولم يكن يبالي إذا انتشى بالخمر فيالمناسك ، وكان أحسنهم رقصا في الأعراس وعبد الحفيظ كان أكثرهم مجاملة للناس الذينلا يفكرون مثل تفكير " العصابة " ، كما كانوا يسمون أنفسهم ويسميهم الناس ، كان هوالذي ينبههم إلى أن ابن فلان تزوج ، وفلانا مات أبوه ، وفلانا عاد من السفر ( منسكان الأحياء البعيدة عن حيهم ) فيذهبون جماعة في الغالب للتهنئة أو للتعزية ، وكانأحيانا يذهب للمسجد للصلاة ويحاول ألا يقول لهم ، وكان الطاهر الرواسي أقربهم إلىالغضب وأسرعهم إلى إمساك عصاه ، أو سحب سكينة في أوقات " الزنقة " ، وكان سعيدأحسنهم في محاجبة الحكام ، يسمونه " القانون " . وكان حمد ود الريس ذا أذن حساسةلأخبار الفضائح يجمعها من أطراف البلد ، من الأحياء البعيدة . ويلقيها عليهم فيأوقات معينة في مجالسهم . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:25 am | |
| وكانوا يندبونه في الغالب لمعالجة مشاكل النسوان في البلد . وكان محجوب أعمقهم وأنضجهم . كان مثل الصخرة المدفونة تحت الرمل . تصطدم بها إذا عمقت في حفرك . وكانت صلابته تظهر في الأزمات الحقيقة : حينئذ يصير " ريس المركب " ، يأمر وهم ينفذون . جاءهم مرة مفتش جديد للمركز اجتمعوا به مرة ومرتين . تحدثوا إليه ، وتناقشوا معه . ثم قرروا فيما بينهم أنه غير صالح . وبعد شهر تأزمت الأمور ، فقد قال المفتش لبعض الناس أن " عصابة محجوب " تسيطر على كل شيء في البلد : فهم أعضاء في لجنة المستشفى ، ولجان المدارس ، وهم وحدهم لجنة المشروع الزراعي ووصل إليهم أن المفتش قال : " ما فيش في البلد رجال غير الجماعة دول ؟ " لما تشاوروا في الأمر بينهم ، كانوا أميل إلى الرضوخ للمر الواقع ، وبعضهم عرض أن يستقيل من عضوية اللجان التي هو فيها ، ولكن محجوب قال : " ما في إنسان يتحرك من مكانه " ثم لم يلبث المفتش غير شهر آخر حتى نقل كيف تم ذلك ؟ لمحجوب أساليبه الخاصة . في الحالات القصوى . كانوا يضحكون ، حين سمعوا الزين يشتم بأعلى صوته : " الراجل الباطل ، الحمار الدكر " . ووصل عندهم . فوقف برهة فوقهم. ساقاه منفرجتان ، ويداه على خصره كان نصفه الأعلى كله في الضوء ولاحظوا أن عينيه محمرتان أكثر من إحمرارهما الطبيعي قال الطاهر الرواسي : " واقف فوقنا مالك داير تشرب دمنا ؟ يا تقعد يا تغور " . وقال أحمد إسماعيل : " لازم الزين سكران الليلة " . وقال عبد الحفيظ : " اقعد خد لك نفس " . وقال حمد ود الريس : " قالوا الليلة كت في حوش العمدة . شن مشيث تكوس ؟ البث وعرسوها ، تاني شن داير ؟ " وأمسك الزين السيجاره من عبد الحفيظ وجلس صامتا وأخذ ينفخ فيها بغيظ . ضحك الطاهر الرواسي وقال له : " مو كيدي يا مرمد . عامل نفسك فنجري ومتعلهم السيجارة ماك عارف تشريها جرها لي ورا ، أي كدي .. زي كأنك تمص فيها " ونجح الزين في جذب الدخان إلى فمه فلفث منه غمامة كبيرة ، وقفت ساكنه برهة ثم ذابت في خيوط دقيقة ، بعضها نجا نحو الضوء والآخر اختلط مع سواد الليل في الجانب المظلم وجاء بدوي من عرب القوز يقصد الدكان ونص رطل شاي " . وقال أحمد إسماعيل : " العرب ديل كل قروشين مودرنها في السكر والشاي " . وهنا صاح الزين بسعيد : " خلي المره تعمل شاي مضبوط باللبن . يكون مضبوط " . ثم نادى من شباك يصل بين المتجر والدار خلفه : " اعملوا قوام شاي ثقيل باللبن للزعيم " وانتعش الزين . فقال برمح : " أنا راجل راجل في البلد دي ولا لا ؟ " فقال له الطاهر : " طبعا " . " طيب ليه الحمار الدكر ويروح لي عمي ويقول له الزين مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال محجوب : " الداهي بقي افرنجي . وين عرفت الفصاحة دي ؟ مش راجل بتاع عرس ؟ " وقال ود الريس : " الإمام غاير منك . داير المره لي رقبته " . فقال الزين :" بت عمي ولا لا ؟ يروح يشوف له بت عم " . قال له محجوب بحزم : " العقد يوم الخميس الجايي : يعد دا ما فيش طرطشة ورقيص وكلام فاضي . سمعت ولا لا ؟ " . سكت الزين : وسأله الطاهر الرواسي : " منو القال لك ؟ " فقال الزين " هي نفسها كلمتني " . كان محجوب ممدا رجليه على الرمل ، متكئا على ذراعيه فلما سمع هذا ، تشنج جسمه كأن أحدا قرصه ، واستوى جالسا : " هي بنفسها كلمتك ؟ " " اي . جاتني الصباح بدري في بيتنا . وقالت لي قدام مي : يوم الخميس يعقدوا لك على . أنا و أنت نبقي راجل ومره نسكن سوا . ونعيش سوا " .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:26 am | |
| وارتفع صوت محجوب من فرط حماسته . وقال في إعجاب ليس له حد . " على باليمينمره تملأ العين طلاق . بت ما ليها أخت " . وجاء سعيد يحمل الشاي فقال له محجوب : " سمعت الكلام دا؟ البت مشت كلمته بنفسها " . فقال سعيد : " بت عنيدة رأسها قوي ربنايستر " صمت الباقون برهة ولكن محجوب ضرب فخذه براحة يده عدة مرات وقال هو يتلفتيمينا وشمالا بحماسة وانفعال : " يمين الزين ماش يعرس له بتا تمشيه فوق العجين مايلخبطه " . وشرب الزين الشاي في صخب كعادته ، يمص الشاي مصا له زئير وفجأةوضع الكوب من يده ثم ضحك وقال في سرور : " الحنين قال في قدامكن كلكم : باكر تعرسأحسن بت في البلد " . ثم انفجر بزغرودة عظيمة كزغاريد النساء في العرس ، وصاح بأعلىصوته :" أروك يا ناس الغريق يا أهل البلد ، الزين مكتول . كتلته نعمة بنت الحاجإبراهيم " وصمت بعد ذلك فلم يفه بكلمة . ولم يلبثوا أن سمعوا صوت سيف الدين ( انتصارا آخر للإمام ) يؤذن لصلاة العشاء فسرت فيهم حركة خفيفة جدا . تنحنح محجوب وحرك أحمد إسماعيل أصابع قدمه بطريقة لا شعورية ، وتنهد عبد الحفيظ ، ومال الطاهر الرواسي إلى الوراء قليلا ، قال سعيد : " أشهد ألا ه إلا الله " وراء المؤذن بصوت خافت ، ونفخ حمد ود الريس في رمل لا وجود له من يده ولما انتهى الآذان وسمعوا صوت الإمام ينادي في صحن المسجد : " الصلاة الصلاة " قام كل واحد منهم إلى بيته ليحضر عشاءه وكما يصلي الناس جماعة في المسجد ، سيتعشون هم مجتمعين جالسين في دائرة حول صحون الطعام ، يرف عليهم ضوء المصباح الكبير المعلق في متجر سعيد . يأكلون بنهم ، شأن الرجال الذين تعرق جباههم من الجهد سحابة يومهم ، يأكلون الدجاج المحمر والملوخية بالمرق . والبامية المصنوعة في الطاجن في كل ليلة يذبح أحدهم إما شاة صغيرة وإما حملا . ويغدو عليهم أطفالهم بمزيد من الأكل ينزل الصحن مليئا وما يلبث أن يرتد فارغا هذا الوقت من الليل هو قمة يومهم : لمثل هذا تعمل زوجاتهم من طلوع الشمس إلى غروبها . يأتيهم المرق في صحون عميقة واللحم المحمر في صحون بيضاوية واسعة يأكلون الأرز وخبزا سميكا من القمح ، وفطائر رقيقة تصنع على صاجات ملساء من الحديد ، يأكلون السمك واللحم والخصار ، والبصل والفجل لا يبالون ماذا يأكلون . حينئذ تتوتر عضلاتهم ، ويصبح حديثهم حادا مبتورا ، يتحدثون وأفواههم ملأى . ويأكلون في صخب . تسمع صرير أسنانهم وهي تمضغ الطعام . وإذا شربوا قرقرت حلوقهم بالماء يتكرعون بأصوات عالية ويمصمصون بشفاههم . وحين ترتد الأواني فارغة ، يؤتى بالشاي ، فيملأون أكوابهم ، ويشعل كل واحد منهم سيجارة ، ويمد رجليه ويسترخي في جلسته . يكون الناس قد فرغوا من صلاة العشاء يتحدثون في هدوء وقناعة ولعلهم حينئذ يشعرون ذلك الشعور الدافئ المطمئن . الذي يحسه المصلون وهم يقفون صفا خلف الإمام . كتفا بكتف ينظرون إلى نقطة بعيدة غامضة تلتقي عندها صلواتهم . في هذا الوقت تخف الحدة في عيني محجوب وهما سارحتان في الخط الضئيل الباهت الذي ينتهي عند ضوء المصباح ويبدأ الظلام ؟ ) يعمق صمته وقتذاك ، وإذا سأله أحد أصدقائه فلا يسمع ولا يرد . هذا هو الوقت الذي يقول فيه ود الريس . فجأة جملة واحدة كأنها حجر يقع في بركة : " الله حي " ، ويميل أحمد إسماعيل برأسه قليلا ناحية النهر ، كأنه يستمع إلى صوت يأتيه من هناك . في مثل هذا الوقت أيضا يطقطق عبد الحفيظ أصابعه في صمت ، ويتنهد الطاهر الرواسي ملء صدره ويقول : " روح يا زمان وتعال يا زمان " . هل يحسون حينئذ أنهم يزدادون قربا من تلك النقطة ؟ أم تراهم يدركون أن النقطة الغامضة الصامته في الوسط ، أمر تنتهي الحياة ولا ينتهي إليها المرء ؟ " ايوى ... ايوى ... ايوى ... ايويا " . أول من زغردت أم الزين .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:27 am | |
| كانت فرحة لأسباب عدة . فرحة فرح الأم الغريزي لزواج ابنها . تلك مرحلة حاسمة ، وكل أم تقول لابنها : " اشتهي أن أفرح بزواجك قبل أن أموت " . وكانت أم الزين تحس أن حياتها تنحدر للغروب . ثم إن الزين كان ابنها الوحيد . بل كان كل ما أنجبت ، ولم يكن كبقية الناس فخافت أنتموت ولا يجد من يرعاه . فهذا الزواج أراح بالها ، وزواج الزين مناسبة تسترد فيهاهداياها لأهل البلد في زواج أبنائهم وبناتهم . وكان الناس أحيانا يتعجبون وهميرونها تسارع بدفع ربع الجنيه ونصف الجنيه في الأعراس ، لأية غاية ؟ " هل تظن أنهاسترده في عرس الزين ؟ فكان عرس الزين مناسبة قطعت ألسنة الشامتين والزين لن يتزوجامرأة من عامة الناس ، ولكنه سيتزوج نعمة بنت الحاج إبراهيم ، وناهيك بهذا دليلاعلى كرم الأصل ، والفضل ، والجاه والحسب ، ستدخل ذلك البيت الكبير المبني من الطوبالأحمر ( فليس كل بيوت البلد من الطوب الأحمر ) ، تدخل مرفوعة الرأس ثابتة الخطوة . سيقومون لها إذا دخلت ، ويوصلونها للباب إذا خرجت ويعودونها كل يوم إذا مرضت . ستقضي الأيام الباقية في حياتها في فراش وثير من الرعاية والحب . ولعل القدر يمهلهافتحمل حفيدها أو حفيدتها في حضنها . تزغرد أم الزين ، وتتوارد هذه الخواطر في ذهنهافتشتد زغاريدها . وزغرد معها جيرانها وأحبائها ، وأهلها وعشيرتها . لكن كيفحدثت المعجزة ؟اختلفت الأقاويل ، قالت حليمة بائعة اللبن لآمنة ، وكأنهاتغيظها بمزيد من أنباء عرس الزين ، أن نعمة رأت الحنين في منامها فقال لها " عرسيالزين . التعرس الزين ما بتندم " . وأصبحت الفتاة فحدثت أباها وأمها ، فأجمعوا علىالأمر ، وهزت آمنة رأسها وقالت : " كلام " وزعم الطريفي لزملائه في المدرسة أن نعمةوجدت الزين في حشد من النساء . يغازلهن ويعبثن به . فحدجتهن بنظرة صارمة وقالت لهن . " باكر كلكن تأكلن وتشربن في عرسه " . وخرجت من وقتها فقالت لأبيها وأمها ،فوافقا على ذلك . وروى عبد الصمد للناس في السوق . أن الزين هو الذي طلبالزواج من نعمة . وأنه صادفها في الطريق فقال لها : " بت عمر " تعرسيني ؟ " فقالتنعم . وأنه هو الذي ذهب إلى عمه وكلمه في الأمر فقبل الرجل إلا أن المرجح أن الذيحدث غير هذا ، وأن نعمة بما فيها من عنادواستقلال في الرأي ، وربما يوازعالشفقة على الزين ، أو تحت تأثير القيام بتضحية ، وهو أمر منسجم مع طبيعتها ، قررتأن تتزوج الزين ، ويرجح أن معركة عنيفة دارت في بيت حاج إبراهيم بين الأب والأم فيطرف ، والبنت في الطرف الآخر . كان أخواتها غائبين فكتبوا لهم . ويقال إنالأخوين الكبيرين رفضا البتة . وأن الأخ الأصغر قبل وقال في جوابه لأبيه : " أننعمة كانت دائما عنيدة في رأيها . والآن وقد اختارت زوجها بنفسها فدعوها وشأنها " . خلاصة القول إن حاج إبراهيم أعلن النبأ فجأة . وكأن الناس كانوا يتوقعونه بعد حادثالحنين . الغريب أن أحدا لم يضحك أو يسخر ، ولكنهم هزوا رؤوسهم وزادت حيرتهم وهمينظرون إلى الزين - ينظرون إليه فيتضخم في نظرهم وأهلها وحبانها وعشيرتها ، وكل منيتمنى لها الخير " أيوي أيوي أيوي أيويا " . لو أن العرس لم يكن عرسه . لميز الزين صوت كل منهن في زغاريدها . هذه بت عبد الله ، صوتها عذب وصرختها قوية من كثرة ما زغردت في أعراس الآخرين . ظلت عانسا عمرها فلم تتزوج . لكنا كانت تفرح لأفراح كل أحد في الحي . " أجواج أجوج أجوج أجوجا " . هذه سلامة ، كانت جميلة ، وكانت تنطق الياء هكذا وكانت مرهفة الحس ، لم يسعدها جمالها ، فتزوجت وطلقت وطلقت وتزوجت ولم تستقر مع رجل ولم تنجب أولادا ، حلوة الحديث ، مهزارة لها مع الزين قصص وحكايات ، تزغرد لأنها تحب الحياة . " أيوي أيوي أيويا " هذه آمنة تزغرد من شدة غيظها . ( هل تذكر آمنة وكيف أرادت البنت لابنها فقالوا لها البنت قاصر لم تصر للزواج ؟ ) " أوو .. اوو ... اووا " . هذه عشمانة الطرشاء قلبها الأصم عربد بالحب في عرس الزين . ثم اشتعلت شعلة من الزغاريد في دار حاج إبراهيم . قرابة مائتي صوت . انطلقت مرة واحدة فارتجت نوافذ الدار .
| |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:28 am | |
| وتزغرد أم الزين فيرد عليها النساء ، وتسمع زغاريدهن فتزغرد من جديد . لم تبق امرأة لم تزغرد في عرس الزين . وماج الحي من أركانه ، وامتلأت الدور بالوافدين ، لم يبق بيت إلا أنزلوا فيه جماعة من القوم ، دار حاج إبراهيم على سعتها ، امتلأت ، ودور كل من محجوب ، وعبد الحفيظ وسعيد ، وأحمد إسماعيل ، والطاهر الرواسي وحمد ود الريس . دار الناظر ، ودار العمدة وبيت القاضي الشرعي . وقال شيخ علي لحاج عبد الصمد : " عرس زي دا الله خلقني ما شفت زيه " وقال حاج عبد الصمد : " على بالطلاق الزين عرس عرس صح مو كدب " . " جرى الإمام مراسم الزواج في المسجد . ناب حاج إبراهيم عن ابنته . وناب محجوب عن الزين . ولما تم العقد . قام محجوب ، ووضع المهر على صحن ، حتى يراه كل أحد مائة جنيه ذهبا ، وهي من حر مال حاج إبراهيم . ووقف الإمام بعد ذلك ، وأدار عينيه في الرجال المجتمعين ( كانت أم الزين المرأة الوحيدة بينهم ) وقال إن الجميع يعلمون أنه عارض هذا الزواج ، أما وأن الله شاء له أن يتم فهو يسأله سبحانه وتعالى أن يجعله زواجا سعيدا مباركا . التفت الناس إلى الزين ولكنه كان مطرقا . وقال محجوب لعبد الحفيظ بصوت خافت : " ايه لزوم ذكر المعارضة والكلام الفارغ ؟" وعجبوا حين رأوا الإمام يمشي نحو الزين ويضع يده على كتفه ، فالتفت إليه الزين بشيء من الدهشة . أمسك الإمام يده وشد عليها بقوة ، وقال بصوت متأثر : " مبروك . ربنا يجعله بيت مال وعيال " . تلفت الزين حوله ببلاهة ، ولكن أحمد إسماعيل نظر إليه نظرة صارمة فطأطأ برأسه . دمدم طبل النحاس الكبير وهدر ، يقولون أنه يتكلم . وقالت بت عبد الله لسلامة : " النحاس يقول : الزين عرس الزين عرس " . فزغردت سلامة بصوتها الحلو . تقاطر على الحقل عرب القوز . يتسابقون على جمالهم ، فاستقبلهم الطاهر الرواسي وأنزلهم في إحدى الدور ، وأمر لهم بالطعام والشراب . وجاء فريق الطلحة عن بكرة أبيه - على رأي المثل - فتصدى لهم أحمد إسماعيل وأنزلهم ، ربط دوابهم وجاء لها بالعلف ، ثم أمر لهم بالطعام فطعموا وشربوا . وجاء الناس من بحري وجاء الناس من قبلي . جاؤوا عبر النيل بالمراكب ، وجاؤوا من أطراف البلد ، بالخيول والحمير والسيارات ، فأنزلوهم زمرا زمرا . في كل بيت طائفة ، يقوم على خدمتهم أفراد العصابة ، فهذا يومهم : يعدون لكل شيء عدته لا تفوتهم صغيرة ولا كبيرة لن يمسوا طعاما . ولن يذوقوا شرابا ، حتى يأكل ويشرب الناس . زغرودة منفردة ثم مجموعة زغاريد ، ثم طبل وحيد يهمهم ، ثم طبول كثيرة لأصواته أصداء . لوح الرجال بأيديهم وهزوا بالعصي والسيوف . وأطلق العمدة من بندقيته خمس طلقات . وقالت آمنة لسعدية : " الأمة دي إن شاء الله تقدروا تكفوها " . ولم تقل سعدية شيئا . نحرت الإبل ، وذبحت الثيران . ووكئت قطعان من الضأن على جنوبها . كل أحد جاء أكل حتى شبع وشرب حتى أرتوى . وكان الزين يبدو مثل الديك ، لا بل أجمل ، مثل الطاووس ، ألبسوه قفطانا من الحرير الأبيض ومنطقوه بحزام أخضر ، وعلى ذلك كله عباءة من المخمل الأزرق ، فضفاضة يملأها الهواء فكأنها شراع , وعلى رأسه عمامة كبيرة تميل قليلا إلى الإمام ، وفي يده سوط طويل من جلد التمساح . وفي اصبعه خاتم من الذهب ، يتوهج في ضوء الشمس نهارا ويلمع تحت وهج المصابيح بالليل ، له فص من الياقوت ، في هيئة رأس الثعبان ، كان منتشيا دون شرب من الضجة الكبيرة التي تضج حوله . يبتسم ويضحك يدخل ويخرج بين الناس يهز بالسوط ، ويقفز في الهواء يربت على كتف هذا ، ويجر هذا من يده ، ويحث هذا على الأكل ، ويحلف على هذا بالطلاق أن يشرب ، وقال له محجوب :" دحين أصبحت بني آدم ، حلفتك بالطلاق يا دوب أصبح ليها مغنى " . جاء تجار البلد وموظفوها ووجهاؤها وأعيانها . وحضر أيضا الحلب المرابطون في الغابة . جيء بأحسن المغنيات وأحسن الراقصات ، ضاربات الدف وعازفي الطنابير وأخذت فطومة ، وكانت أشهر مغنية غربي النيل تشدو بصوتها المثير : انطق يا لسان جيب المديح أقداحالزين الظريف خلا البلد أفراحوجرجروا الزين وأدخلوه عنوة حلبة الرقص . فهز بسوطه فوق المغنية ووضع على جبهتها ورقة جنيه ، وتفجرت الزغاريد مثل الينابيع . اجتمعت النقائض تلك الأيام . جواري الواحة غنيين ورقصن تحت سمع الإمام وبصره . كان المشايخ يرتلون القرآن في بيت ، والجواري يرقصن ويغنين في بيت المداحون يقرعون الطار في بيت ، والشبان يسكرون في بيت ، كان فرحا كأنه مجموعة أفراح . وكانت أم الزين ترقص مع الراقصين ، وتنشد مع المنشدين ، تقف هنيهة تستمع للقرآن ، ثم تهرول خارجة إلى حيث يطهى الطعام تحث النساء على العمل ، وتجري من مكان إلى مكان وهي تنادي : " أبشروا بالخير ، أبشروا بالخير " . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:29 am | |
| وقالت حليمة ، بائعةاللبن ، تغيظ آمنة : " أريته يا يم عرس السرور " . نقرت " الدلاليك " نقراتنشيطة متحفزة دقات الدليب وغنت فطومة : التمر البيمرق بدريسارق نوميشاغل فكريوقف الرجال في دائرة كبيرة تحيط بفتاة ترقص في الوسط ، ثوبهاانحدر عن رأسها ، وصدرها بارز للأمام ، ونهداها نافران . ترقص كما تمشي الأوزة . ذراعاها إلى جانبيها تحركهما في تناسق مع رأسها وصدرها ورجليها ، ويصفق الرجالويضربون الأرض بأرجلهم ، ويحمحمون بحلوقهم ، وتضيق الدائرة على الفتاة ، فترميشعرها الممشط المعطر على وجه أحدهم ، ثم تتسع الدائرة . وتتماوج الزغاريد ، ويشتدالتصفيق ، ويقوى وقع الأرجل على الأرض ، ويخرج الغناء سلسا ملحنا من حلق فطومة : الزول السكونة فشابيطول اليل عليه بشابيوانتشى إبراهيم ود طه من الغناء فصاح : " آه . قولي كمان الله يرضى عليك " . رقصت عشمانة الطرشاء . وصفق موسى الأعرح ، ولم تلبث دقات الدلاليك أن أبطأت وأصبح لها أزير مكتوم ، هذه نقرات الجابودي . وقويت حمحمة الرجال في حلوقهم ، ودخلت سلامة حلبة الرقص ، صالت وجالت ، وهي تزهو تختال مثل المهرة . كانت خير من يرقص الجابودي . وكان لها معجبون كثيرون ، ترقبها عيونهم فتنفلت منه كالسمكة في الماء . كثفت حلقة الرقص ، واشتد التصفيف . وهدرت أصوات الرجال ، ودخل الزين الحلبة ، دخل من تلقاء نفسه هذه المرة . طويلا فوق سلامة ، فلطمته بشعرها الطويل المنهدل فوق كتفيها ، وغمزته بعينها . وكان الإمام جالسا مع جماعة ، في ديوان حاج إبراهيم الذي يشرف على فناء الدار ، فحانت منه التفاته ، ووقعت عينه على سلامة وهي منهمكة في رقصها ، ورأى صدرها البارز ، ورأى كفلها الكبير ، حين تضرب برجلها يهتز ويترجرج منقسما إلى شقين كأنهما نصفا بطيخة ، بينهما واد هبط فيه الثوب ، وكانت سلامة في رقصها قد انثنت حتى أصبح جسمها في شكل دائرة . فمس شعرها الأرض ، وزاد بروز صدرها ، ونتوء كفلها ، ورأى الإمام ساقها اليمنى وجزءا من فخذها الممتلئ .وقد رفع عنه الثوب . وحين عاد الإمام بوجهه إلى محدثه . كانت عيناه مريدين مثل الماء العكر . " اييييييويا " . هذه حليمة بائعة اللبن ، تزغرد طعما في خير تناله من أهل العرس ، وتحولت دقات الدلاليك إلى العرضة . دقتان سريعتان وأخرى منفردة . وأخذ الرجال يرمحون بأقدامهم كما تخب الخيل . وتقاطر عرب القوز على حلبة الرقص ، فتواثبوا وتصايحوا وطرقعوا بأسواطهم . رجال قصار القامات مشدود العضلات ، أجسامهم ريانة ندية في مثل لون الأرض لأنهم يعيشون على لبن الإبل ولحم الغزلان يلبس الواحد منهم ثوبا يريطه في وسطه ويلقي طرفيه على كتفيه . إذا قفز في الهواء لمع جسمه في ضوء الشمس ، يلبسون في أرجلهم أخفافا وفي ذراع كل منهم سكين في غمده . وتختلط أصوات الراقصين وضربات الدلاليك بدقات الطار ونشيد المداحين في البيت المجاور . هناك ممسك بالطار أحدهما الكورتاوي وعميد المداحين . كان يقول : نعم العبا وروح بي سهل الفريش شاف العلم لوح زار جد الحسين " وتدمع أعين الناس ، وبعضهم يجهش بالبكاء ، خاصة الذين حجوا وزاروا مكة والمدينة والأماكن التي يصفها المادح . ويمضي الرجل يهرج ، في صوت له بحة اشتهر بها : " نعم العبا وحاد : بي سهل القريش شاف العلم نادى زار جد الحسين فرشو له الزبيب والتين والحبحب كاسات من حميا قالوا له هاك اشرب زار جد الحسين " وتختلط زغاريد النساء في حلقة المديح بزغاريد النساء في حلبة الرقص ، وأحيانا يهاجر فريق من حلبة الرقص إلى حلقة المديح . هناك تتحرك أرجلهم ويثور حماسهم ، وهنا تدمع أعينهم ، كذلك يتحول فريق من حلقة المديح إلى حلبة الرقص ، يهاجرون من الشوق إلى الصخب . وفجأة تنبه محجوب . أين الزين ؟ كان مشغولا كبقية عصابته بتنظيم الفرح . فاختفى الزين عن عينه . سأل عنه كلا من الباقين ، فقالوا أن أحدا منهم لم يره منذ قرابة ساعتين . وقال عبد الحفيظ أنه يذكر أنه رآه آخر مرة يستمع للمداحين بدأوا يبحثون عنه . دون أن يحس أحد ، مخافة أن يقلق الباقون . | |
|
| |
رمش العين نايب المديرالعام
عدد المساهمات : 471 نقاط : 3259 تاريخ التسجيل : 01/08/2009
| موضوع: رد: رواية عرس الزين (الطيب صالح) الجمعة يناير 01, 2010 2:33 am | |
| لم يجدوه معالحشد المجتمع مع الإمام في الديوان الكبير ، ولم يكن في حلقة المديح ، ولم يكن معأي من جماعات الرقص المتناثرة في البيوت . دخلوا المطابخ حيث النسوة يزحفن أمامالأفران والقدور ، فلم يكن الزين هناك . حينئذ أصابهم الذعر ، فإن الزين قديفعل أي شيء ، قد ينسى أمر زواجه . ويختفي كعادته . وتفرقوا يبحثون عنه . فلم يتركوا موضعا . بعضهم ضرب في الصحراء قبالة الحي , وبعضهم ذهب ناحية الحقول ،حتى ضفة النيل دخلوا البيوت بيتا بيتا تفرسوا تحت جذع كل نخلة وكل شجرة . لم يبق إلا المسجد . لكن الزين لم يدخل المسجد في حياته ، كان الوقت أوائلالليل ، كثيف مظلم . وكان المسجد ساكنا خاويا ، قد تسرب الضوء من مصابيح العرس خلالنوافذه . في خطوط مستطيلة من النور ، انعكس بعضها على السجاجيد ، وبعضها على السقف، وبعضها على المحراب وقفوا ينصتون فلم يسمعوا حسا ، إلا . أصوات العرستتناهى بهم ونادوا باسمه وبحثوا في أركان المسجد وفي ردهاته فلم يجدوا الزين . وفقدوا الأمل . لا بد أنه هرب . لكن إلى أين والبلد كلها مجتمعة عندهم . وبغتة خطر خاطر في ذهن محجوب ، فصاح : " المقبرة " . لم يصدقوا ، ماذا يفعلفي المقبرة في ذلك الوقت من الليل ؟لكن محجوب سار أمامهم فتبعوه سارواصامتين وراء محجوب بين القبور ، تتناهى بهم أصوات الغناء والزغاريد عالية واضحة ،ثم خافتة بعيدة . كان المكان بلقعا ، إلا من شجيرات السلم والسيال التي تناثرت بينالمقابر ، وامتلأت الثغرات بين فروعها بالظلام فبدت كأنها سفن في لجة ، وفي الوسطبدا الضريح الكبير غامضا مخيفا , وفجأة وقف محجوب وقال لهم : " اسمعوا " لم يسمعواشيئا أول الأمر ، فأرهفوا آذانهم ، فإذا بنشيج خافت يتناهى بهم . سار محجوب، وساروا وراءه . حتى وقف فوق شبح جاثم عند قبر الحنين ، وقال محجوب : " الزين . الجابك هنا شنو ؟ " لم يرد ولكن بكاءه اشتد حتى أصبح شهيقا حادا . وقفوا وقتا يراقبونه في حيرة ثم قال الزين في صوت متقطع ، يتخلله النحيب : " أبونا الحنين إن كان ما مات كان حضر العرس " . ووضع محجوب يده على كتفالزين برفق وقال له : " الله يرحمه . كان راجل مبروك ، لكن الليلة ليلة عرسك . الراجل ما بيبكي ليلة عرسه يا ألله أرح " . وقام الزين وسار معهم . وصلوا الدار الكبيرة ، حيث أغلب الناس ، فاستقبلتهم الضجة ، وغشيت عيونهمأول وهلة من النور الساطع المنبعث من عشرات المصابيح ، كانت فطومة تغني ، والدلاليكتزمجر ، وفي الوسط فتاة ترقص ، وحولها دائرة عظيمة فيها عشرات الرجال يصفقونويضربون بأرجلهم ويحمحمون بحلوقهم . انفلت الزين ، وقفز قفزة عالية في الهواءفاستقر في وسط الدائرة . ولمع ضوء المصابيح على وجهه . فكان ما يزال مبللا بالدموع . صاح بأعلى صوته ويده مشهور فوق رأس الراقصة : " أبشروا بالخير ..أبشروا بالخير" وفار المكان ، فكأنه قدر تغلي . لقد نفث فيه الزين طاقة جديدة . وكانت الدائرة تتسعوتضيق تتسع وتضيق ، والأصوات تغطس وتطفوا والطبول ترعد وتزمجر ، والزين واقف فيمكانه في قلب الدائرة ، بقامته الطويلة وجسمه النحيل ، فكأنه صاري المركب . | |
|
| |
| رواية عرس الزين (الطيب صالح) | |
|